ديالكتيك الدم والجغرافيا: حين تصبح الحرب صراعاً أنطولوجياً

قناة اليمن اليوم 2026/10/19 14:20 7 قراءة وقت القراءة 4 د
ديالكتيك الدم والجغرافيا: حين تصبح الحرب صراعاً أنطولوجياً

ليست كل الحروب متشابهة. فبعضها يُخاض من أجل حدود، وبعضها من أجل مصالح، لكن أخطرها تلك التي تُخاض من أجل المعنى. في هذا النوع من الحروب، لا يكون النزاع على ما نملك، بل على ما نكون؛ لا تُقاس الخسائر بعدد الضحايا فقط، بل بتصدّع فكرة الإنسان عن ذاته. عند هذه النقطة، تتحول الجغرافيا من أرض تُرسم عليها الخرائط إلى كيان يُعاد تعريفه بالدم، ويغدو العنف لغة فلسفية تُستخدم للإجابة عن سؤال الوجود ذاته. هنا، لا تعود الحرب حدثاً سياسياً عابراً، بل تصبح لحظة أنطولوجية حاسمة، يُعاد فيها تشكيل العالم وفق منطق الإقصاء أو الاعتراف.
حين يتكلم الدم: الجغرافيا كهوية لا كأرض
في التصورات الكلاسيكية، كانت الجغرافيا مسرحاً ثابتاً للصراع، والسياسة هي الفاعل المتحرك. لكن التاريخ يُظهر أن هذه المعادلة تنقلب في لحظات التوتر القصوى.
في حروب البلقان خلال تسعينيات القرن الماضي، لم تكن الأرض مجرد مساحة، بل تحوّلت إلى “ذاكرة دموية” تُستعاد عبر التاريخ والدين والهوية. في حروب يوغوسلافيا، لم يكن القتال فقط على الحدود، بل على تعريف من ينتمي إلى المكان ومن يُقصى منه.
الأمر ذاته تجلّى في الإبادة الجماعية في رواندا، حيث لم تعد الجغرافيا مجرد وطن مشترك، بل أصبحت أداة تصنيف وجودي: من يحق له أن يعيش ومن يجب أن يُمحى.
في هذه اللحظات، يتحول الدم إلى “لغة”، لا للتعبير فقط، بل لإعادة رسم الخرائط. الجغرافيا هنا لا تُقاس بالكيلومترات، بل بكثافة المعنى والذاكرة والهوية.
من “ماذا نملك؟” إلى “من نكون؟“
عندما تنتقل الحرب من مستوى المصالح إلى مستوى الهوية، تدخل ما يمكن تسميته بـ”الأنطولوجيا الإقصائية”. لم يعد السؤال:
ماذا نريد؟
بل أصبح:
من نحن… ومن يجب ألا يكون؟
هذا التحول ليس جديداً. في أوروبا، استمرت حرب الثلاثين عاماً لعقود، ليس فقط بسبب السياسة، بل بسبب صراع ديني اعتُبر صراعاً على “الحقيقة المطلقة”. الكاثوليك والبروتستانت لم يروا أنفسهم خصوماً سياسيين، بل حاملي وجود متعارض لا يمكن التوفيق بينه.
وفي سياق آخر، شكّلت الحرب العالمية الثانية مثالاً صارخاً على هذا المنطق، حيث تحوّلت الإيديولوجيا النازية إلى مشروع أنطولوجي قائم على إقصاء الآخر بيولوجياً وثقافياً.
هنا تتجلى الفكرة التي أشار إليها Carl Schmitt:
“الهوية السياسية تتحدد من خلال التمييز بين الصديق والعدو”
لكن في صراعاتنا المعاصرة، لم يعد العدو مجرد “آخر سياسي”، بل أصبح “نقيضاً وجودياً”.
حين تفشل السياسة: من الدبلوماسية إلى الميتافيزيقيا المسلحة
في هذا المستوى من الصراع، تفقد السياسة أدواتها التقليدية فعاليتها:

المفاوضات تُفهم كخيانة

التسويات تُفسّر كتنازل عن الوجود

السلام يُنظر إليه كاستسلام

وهنا ندخل ما وصفه Achille Mbembe بـ”سياسات الموت” (Necropolitics)، حيث لا تعود السلطة معنية بإدارة الحياة، بل بتحديد من يستحق أن يعيش.
هذا ما شهدناه في أنظمة الفصل العنصري مثل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، حيث تم تنظيم المجتمع على أساس وجودي يحدد قيمة الإنسان وفق هويته.
لكن المفارقة أن هذا النموذج ذاته قدّم لنا أيضاً أحد أهم دروس الخروج من الصراع.
إمكانية الخروج: حين ينتصر الوجود المشترك
رغم عمق الصراعات الأنطولوجية، يثبت التاريخ أنها ليست قدراً محتوماً.
في جنوب أفريقيا، لم ينتهِ الصراع عبر انتصار طرف على آخر، بل عبر إعادة تعريف الوجود نفسه. قاد Nelson Mandela مساراً حوّل الصراع من:
“من يملك الأرض؟”
إلى:
“كيف نعيش معاً على الأرض نفسها؟”
وفي اتفاقية الجمعة العظيمة في أيرلندا الشمالية، تم تفكيك صراع هوياتي عميق عبر الاعتراف المتبادل، لا الإلغاء.
هذه التجارب لا تُنكر الألم، لكنها تثبت أن:
الخروج من الصراع لا يبدأ من السياسة، بل من إعادة تعريف الإنسان للإنسان.
من الجغرافيا كغنيمة إلى الجغرافيا كفضاء إنساني
إن أخطر ما في صراعاتنا ليس العنف بحد ذاته، بل المعنى الذي يُمنح لهذا العنف. حين يصبح القتل وسيلة لإثبات الوجود، يتحول العالم إلى ساحة عبثية يبحث فيها كل طرف عن ذاته في رماد الآخر.
الخروج من هذه الدوامة يتطلب انتقالاً فلسفياً عميقاً:

من الهوية المغلقة إلى الهوية التفاعلية

من الوجود ضد الآخر إلى الوجود مع الآخر

من الجغرافيا كحدود إلى الجغرافيا كمسؤولية مشتركة

خاتمة: ما بعد الدم
إذا بقيت الجغرافيا سجناً للهوية، سيبقى الدم هو اللغة الوحيدة التي تتحدث بها الأرض.
أما إذا تحولت إلى فضاء إنساني مشترك، فقد يصبح الدم ذاكرة لا قدراً.
السؤال الحقيقي لم يعد:
من ينتصر؟
بل:
هل يمكن للإنسان أن يعيد تعريف وجوده دون أن يمرّ عبر إلغاء الآخر؟

المصدر: قناة اليمن اليوم
قراءة الخبر من موقعه الأصلي