الحوثيون وحصار تعز.. حرب شاملة على مقومات الحياة
شددت مليشيا الحوثيين الإرهابية حصارها على مدينة تعز، بالتوازي مع هجماتها المستمرة على المدينة من مختلف الجهات وتعمدها استهداف الأحياء السكنية، وذلك بعد سيطرتها على الريف الجنوبي للمحافظة، الذي يربط مدينة تعز بالعاصمة المؤقتة عدن ومحافظة لحج، ويمر من خلاله طريق هيجة العبد الذي كان يعد الشريان الوحيد للمدينة والمديريات المحررة في المحافظة لإمدادات الغذاء والدواء وغيرها.
وفي أحدث حلقات حصار تعز، منعت مليشيا الحوثيين دخول مياه الشرب إلى المدينة، لتحكم الحصار الشامل الذي يهدد حياة نحو مليوني نسمة، مع قطع جميع الطرق الرئيسية والفرعية، بما فيها الطرق الوعرة والراجلة.
ومن أبرز مظاهر الحصار: منع دخول المواد الغذائية والأدوية والوقود والمياه والغاز المنزلي، وسط ارتفاع حاد في الأسعار وصل إلى خمسة أضعاف السعر الأصلي لبعض السلع.
ويحرم الحصار المرضى من الوصول إلى مستشفيات المدينة، بمن فيهم مرضى الفشل الكلوي والسرطان والحالات الطبية الحرجة، كما أدى استمرار الحصار إلى توقف التعليم وحرمان طلاب المدارس والجامعات من مواصلة دراستهم.
وتشهد المدينة انعداما في وسائل النقل، في حين أُغلقت بعض المخابز بسبب نفاد الوقود، كما تراكمت القمامة في الأحياء والشوارع السكنية، مع تعذر رفعها بسبب انعدام الوقود، ويهدد ذلك بكارثة بيئية خطيرة. كما يهدد الحصار باستمرار تراجع الخدمات الصحية وتوقف بعضها، نتيجة منع دخول المستلزمات الطبية والأدوية.
حصار قديم يتجدد في ظروف أشد تعقيدا
منذ عام 2015، شكل الحصار المفروض على مدينة تعز إحدى أبرز المعضلات الإنسانية في الحرب اليمنية. فقد أُغلقت أو قُيدت الطرق المباشرة التي تربط أجزاء المدينة ومحيطها، واضطر السكان إلى استخدام طرق جبلية ملتوية وطويلة للوصول إلى وجهاتهم، بدلا من التنقل عبر مسافات قصيرة كانت تستغرق وقتا محدودا قبل الحرب.
ولم يكن أثر تلك القيود مقتصرا على طول الرحلات، فقد ارتفعت تكاليف النقل، وصارت حركة المرضى والطلاب والموظفين والتجار أكثر صعوبة، كما تضررت حركة السلع بين المناطق الخاضعة لسلطات مختلفة. وبالنسبة إلى كثير من الأسر، تحولت زيارة قريب أو مراجعة مستشفى أو نقل بضاعة إلى رحلة مكلفة ومحفوفة بالمخاطر.
وفي أغسطس 2016، تمكنت القوات الحكومية من فتح طريق باتجاه المحافظات الجنوبية، غير أن ذلك لم ينهِ القيود المفروضة على بقية المنافذ. وظلت المدينة تعاني من حصار جزئي وتقطع في طرق الحركة والإمداد، حتى أعيد فتح المنفذ الشرقي، الحوبان، في يونيو 2024، بموجب تفاهمات أتاحت عبور المدنيين بين مدينة تعز ومنطقة الحوبان خلال ساعات محددة يوميا.
وشكل فتح الطريق حينها متنفسا للسكان، إذ اختصر مسافات طويلة وأعاد قدرا من التواصل بين مناطق المدينة التي فصلتها خطوط المواجهة، لكنه لم يكن تسوية نهائية لقضية الطرق، وإنما انفراجة محدودة ظلت قابلة للانتكاس مع تجدد القتال.
ومع تصاعد المواجهات أواخر سبتمبر الماضي ومطلع أكتوبر الجاري، عادت الطرق الرئيسية إلى دائرة الاستهداف والإغلاق. وبعد سيطرة مليشيا الحوثيين على منطقة التربة في الرابع من أكتوبر الجاري قطعت الطريق الرئيسي الذي يربط مدينة تعز بالمناطق التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية جنوبا، بالتزامن مع إغلاق المنفذ الشرقي، خط الحوبان، وتعطل مسارات أخرى للإمداد.
والفارق بين الحصار السابق والتطورات الراهنة لا يكمن فقط في عدد الطرق المغلقة وإنما في اتساع رقعة القتال وتزامنه مع موجات نزوح جديدة، واضطراب الإمدادات في مناطق أخرى من الساحل الغربي، وتراجع قدرة المؤسسات الإنسانية على الوصول إلى المحتاجين.
ووفقا لتقرير لمشروع تقييم القدرات الصادر في 14 أكتوبر الجاري، فقد كان نحو 1.5 مليون شخص في تعز متأثرين باضطراب طرق الإمداد، إلى جانب قرابة 115 ألف نازح داخل المحافظة أو إليها منذ سبتمبر.
الحصار كورقة ضغط
يتجاوز الحصار في تعز أبعاده العسكرية المباشرة، بالنظر إلى كون تعز مركز ثقل سياسي وعسكري، وتمثل إحدى أبرز مناطق الثقل المناوئ للحوثيين. ولذلك فإن عزلها عن محيطها، أو إضعاف قدرة سلطاتها على توفير الاحتياجات الأساسية للسكان، ينعكس على موقعها في المعادلة العسكرية والسياسية اليمنية.
وعطفا على ذلك، يمكن قراءة التحكم بالطرق باعتباره أداة ضغط تتجاوز الجبهة إلى المجتمع والسلطات المحلية. فكلما ارتفعت أسعار الغذاء والوقود، وتراجعت الخدمات، وازدادت صعوبة التنقل، اتسعت الضغوط على المؤسسات المحلية، وازدادت الأعباء الواقعة على السكان.
وتتهم الحكومة اليمنية الحوثيين باستخدام إغلاق الطرق وقطع الإمدادات للضغط على المدينة. وفي بيان صادر في 12 أكتوبر الجاري، حملت وزارة حقوق الإنسان التابعة للحكومة المعترف بها دوليا مليشيا الحوثيين مسؤولية تشديد الحصار، وقالت إن الإعلان عن فتح الطرق لا يكفي ما لم تتحقق حرية التنقل ووصول السلع فعليا وبأمان.
الاقتصاد تحت الحصار.. من ارتفاع الأسعار إلى تهديد الأمن الغذائي
يظهر الأثر الاقتصادي للحصار سريعا في مدينة تعتمد على الإمدادات القادمة من خارجها، وتعاني أصلا من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
فعندما تتوقف الشاحنات أو تتعطل الطرق المعتادة، ترتفع كلفة نقل البضائع، ويقل المعروض في الأسواق، ويزداد اعتماد التجار على مخزوناتهم. وإذا طال الانقطاع، تنتقل الأزمة من ارتفاع الأسعار إلى نقص السلع، ثم إلى صعوبة حصول الأسر محدودة الدخل على الحد الأدنى من احتياجاتها.
وقد قدمت التطورات الأخيرة مؤشرات واضحة على سرعة انتقال الأزمة إلى الأسواق، فوفقا لتقرير مشروع تقييم القدرات المنشور في 14 أكتوبر الجاري، ارتفعت أسعار البنزين بأكثر من 233 في المئة مقارنة بمستويات ما قبل الحصار، والغاز المنزلي بنحو 175 في المئة، ومياه الشرب بنحو 50 في المئة. كما قدر المشروع أن مخزونات القمح والدقيق في المناطق الخاضعة للحكومة كانت تكفي لنحو 19 يوما من الاستهلاك عند إعداد التقييم.
المستشفيات في دائرة الخطر
يُعد القطاع الصحي من أكثر القطاعات تعرضا للضرر المباشر وغير المباشر نتيجة الحصار الحوثي على مدينة تعز، فالمستشفيات تحتاج إلى الأدوية والمستلزمات الطبية، وتعتمد على الوقود لتشغيل المولدات، وعلى وسائل النقل لنقل المرضى والجرحى، وعلى سلاسل إمداد منتظمة لضمان استمرار خدمات الطوارئ والجراحة والعناية المركزة.
وقد حذرت السلطات الصحية في مدينة تعز من اقتراب نفاد الأدوية والمحاليل الوريدية والمستلزمات الطبية والوقود في المرافق الصحية، وسط مخاوف من تراجع قدرة المستشفيات على الاستمرار في تقديم خدماتها إذا استمر الانقطاع.
وتتضاعف خطورة الوضع بالنسبة إلى المرضى الذين يحتاجون إلى خدمات لا يمكن تأجيلها، مثل مرضى الفشل الكلوي، والمصابين بأمراض مزمنة، والجرحى الذين يحتاجون إلى عمليات جراحية، والنساء الحوامل اللاتي قد يتعرضن لمضاعفات مفاجئة.
ولا تقف المخاطر عند الحالات الفردية، فنقص الوقود قد يؤثر على تشغيل أجهزة طبية وحفظ الأدوية واللقاحات، بينما يؤدي انقطاع الإمدادات إلى تقليص قدرة المستشفيات على التعامل مع الإصابات الجماعية إذا اتسعت المواجهات.
وقد حذر مشروع تقييم القدرات من أن تراجع إمدادات الوقود والمواد الطبية يمكن أن يهدد استمرار خدمات الطوارئ والجراحة والعناية المركزة وغسيل الكلى ورعاية حديثي الولادة، فضلا عن عمليات الإسعاف وسلاسل التبريد الخاصة باللقاحات.
المياه والصرف الصحي
قد تبدو أزمة المياه أقل ظهورا من نقص الغذاء والوقود، لكنها من أكثر التداعيات خطورة على المدى المتوسط.
فإنتاج المياه وضخها وتوزيعها يرتبط بتوافر الطاقة وقطع الغيار ووسائل النقل. وإذا ارتفعت أسعار الوقود أو تعذر وصوله، فقد تتراجع قدرة بعض المنشآت على ضخ المياه، بينما ترتفع كلفة نقلها بالصهاريج إلى الأحياء والمناطق التي تعتمد على هذه الخدمة.
وقد ربط مشروع تقييم القدرات بين نقص الوقود ومخاطر تعطل ضخ المياه، محذرا من أن القيود على الطرق قد تعرقل أيضا عمليات إيصال المياه إلى السكان، وسجل التقييم ارتفاعا بنحو 50 في المئة في أسعار مياه الشرب مقارنة بمستويات ما قبل الحصار.
وتكون الأسر الفقيرة أكثر تضررا من هذه الزيادة، لأنها تضطر إلى المفاضلة بين شراء المياه وشراء الغذاء والدواء. كما أن الاعتماد على مصادر غير مأمونة أو تخزين المياه في ظروف غير صحية قد يزيد مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه، خصوصا بين الأطفال وكبار السن.
وإذا تزامن نقص المياه مع تعطل خدمات الصرف الصحي والنظافة العامة، فإن الخطر يمتد إلى الأحياء المكتظة ومناطق النزوح، حيث تكون إمكانات الاستجابة الصحية محدودة أصلا.
الموقف الدولي.. تحذيرات متزايدة واستجابة تصطدم بالواقع
لم تبقِ التطورات في تعز آثارها ضمن النطاق المحلي، بل دفعت الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى التحذير من اتساع الأزمة وتراجع إمكانات الوصول إلى السكان.
ففي الأول من أكتوبر الجاري، دعا المبعوث الأممي إلى اليمن إلى وقف التصعيد العسكري وحماية المدنيين والبنية التحتية وضمان وصول آمن وغير معرقل إلى المحتاجين. وجاء موقفه في وقت كانت فيه تقارير عن إغلاق الطرق وسقوط ضحايا تعكس اتساع المخاطر على السكان.
وفي 12 أكتوبر الجاري، أفادت إحاطة المتحدث باسم الأمم المتحدة بأن استمرار الأعمال القتالية والنزوح والقيود على الوصول يزيد الاحتياجات الإنسانية، ولا سيما في تعز، حيث تؤثر القيود المفروضة على الطرق في حركة المدنيين والإمدادات التجارية والمساعدات. كما أشار إلى أن الجهات الإنسانية تمكنت من الوصول إلى نحو 143 ألف رجل وامرأة وطفل بمساعدات طارئة، مع استمرار الصعوبات الناجمة عن نقص الموارد والقيود الأمنية.
وفي 14 أكتوبر الجاري، حذر برنامج الأغذية العالمي من أن تصاعد القتال وإغلاق الطرق وانعدام الأمن يعطل إيصال المساعدات المنقذة للحياة إلى نحو 800 ألف شخص في اليمن، بينهم سكان في تعز ومناطق أخرى تأثرت بالمواجهات. وأكد البرنامج أن تغير خطوط المواجهة وصعوبة الوصول يحدان من قدرة العاملين الإنسانيين على الاستجابة.
وتكشف هذه المواقف عن فجوة بين التحذيرات الدولية والقدرة الفعلية على ضمان وصول المساعدات. فالبيانات الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية تساعد في توثيق حجم الخطر، لكنها لا تفتح الطرق بذاتها، ولا تضمن مرور الشاحنات أو وصول المرضى إلى المستشفيات.
أحقاد الحوثيين وأطول حصار في التاريخ
بدأ حصار مليشيا الحوثيين لمدينة تعز منذ بداية الحرب التي أشعلتها المليشيا جراء انقلابها على الدولة، لكن وتيرته اشتدت مؤخرا، وهو بذلك يعد أطول حصار في التاريخ الحديث والمعاصر، فهو أطول من حصار سراييفو وستالينجراد وليننغراد، وأيضا أطول من حصار نظام بشار الأسد والمليشيات المتحالفة معه لمنطقة الغوطة الشرقية قبل سقوطه، وهو الحصار الذي وصفته الأمم المتحدة، في يونيو 2018، بأنه "أطول حصار متواصل في التاريخ الحديث".
وقد انتهى ذلك الحصار بعد أن شن نظام بشار الأسد والمليشيات المتحالفة معه حملة عسكرية ساحقة للسيطرة على المنطقة، وارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق المدنيين هناك.
واللافت أن الأمم المتحدة لم تدن حصار مليشيا الحوثيين لمدينة تعز بالطريقة نفسها التي أدانت بها من قبل حصار نظام بشار الأسد للغوطة الشرقية، وتبدو غير جادة في الضغط على مليشيا الحوثيين لرفع الحصار عن المدينة، ولم تدِن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها المليشيا في مدينة تعز وريف المحافظة منذ بداية الحرب وحتى اليوم، بما في ذلك الإعدامات الميدانية، وسحل الجثث وتعليقها على الأشجار، كما حدث في منطقة الحيمة في يناير 2021، وهو أسلوب يتجاوز في بشاعته أساليب أبشع التنظيمات الإرهابية في العالم.
ويعكس حصار الحوثيين لمدينة تعز، منذ بداية الانقلاب، أحقادهم وضغائنهم إزاء المحافظة بشكل عام، لأن تعز كانت من أوائل المحافظات التي انتفضت في وجه الانقلاب والغزو الحوثي، وكسرت حاجز الخوف من خلال تشكيل مقاومة شعبية انتشرت فكرتها إلى المحافظات الأخرى.
وبما أن الحوثيين كانوا يعتقدون أن سيطرتهم على محافظة تعز ستكون مجرد نزهة، نظرا للطابع المدني والسلمي لأبناء المحافظة، لكن كانت المفاجأة الصادمة عندما تشكلت مقاومة شعبية في المحافظة بسرعة وأظهرت صمودا وبسالة نادرة في وجه المليشيا، فكان لذلك تداعياته على المعركة في اليمن بشكل عام وليس في محافظة تعز فقط، مما دفع الحوثيين إلى الانتقام من المحافظة حصارا وقتلا وقنصا للمدنيين واستهداف كل مظاهر الحياة.