حصار تعز: الطريق المغلق والسوق التي ترحل

قناة اليمن اليوم 2026/10/24 14:10 3 قراءة وقت القراءة 4 د
حصار تعز: الطريق المغلق والسوق التي ترحل

قد تُفتح الطرق إلى تعز، لكن ذلك لا يعني أن اقتصادها سيعود إلى ما كان عليه قبل الحصار والحرب. فالمنشأة التي أغلقت أبوابها قد لا تستأنف نشاطها، والمورّد الذي بنى شبكة توزيع بديلة قد لا يعود، والزبون الذي اعتاد الشراء من سوق أخرى قد يستمر فيها. وحين تتراكم هذه التحولات، يتجاوز أثر الحصار تعطيل الحركة إلى تغيير موقع المدينة داخل الاقتصاد.

هذه هي الخسارة التي تستحق أن تُقرأ اقتصاديًا: ليس فقط ما يدفعه سكان تعز مقابل وصول السلع، بل ما قد تخسره المدينة من قدرتها على إنتاج الدخل، والاحتفاظ بمنشآتها، وربط أسواقها بالموردين والعملاء.

حين تتآكل شبكة الاقتصاد

أدى إغلاق طرق الإمداد الرئيسية مع تصاعد المواجهات خلال سبتمبر 2026 إلى تعطيل وصول السلع والوقود إلى تعز عبر مساراتها المعتادة. ومع إغلاق الطريق الرابط بين تعز والتربة ولحج وعدن، وتعطل طريق المخا وإغلاق المنفذ الشرقي المؤدي إلى الحوبان، انقطعت المدينة عن مساراتها التجارية المعتادة. وتشير البيانات إلى ارتفاع سعر عبوة البنزين سعة 20 لترًا إلى نحو 100 ألف ريال في السوق السوداء، فيما لا يغطي مخزون القمح والدقيق، المقدر بنحو 20 ألف طن في المديريات الخاضعة للحكومة بمحافظة تعز، سوى نحو 19 يومًا من الاستهلاك التقديري.

ترفع صعوبة الإمداد كلفة تأمين البضائع ونقلها، بينما يحد تراجع القدرة الشرائية من المبيعات. ويؤدي ارتفاع كلفة التوريد والنقل بالتزامن مع تراجع المبيعات إلى استنزاف رأس المال العامل، فتتعثر عمليات تجديد المخزون وسداد الالتزامات، خصوصًا لدى المنشآت محدودة الاحتياطيات المالية.

ويمتد الأثر إلى الخدمات الأساسية. ففي 20 أكتوبر 2026، حذر منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن من أن أسعار ما تبقى من المواد الغذائية والوقود ارتفعت إلى أكثر من الضعف، وأن إنتاج المياه في المدينة انخفض إلى النصف. وتكشف هذه المؤشرات ترابط الأزمة، إذ تتزامن زيادة كلفة المعيشة والتشغيل مع انكماش قدرة الأسر والمنشآت على الإنفاق ومواصلة النشاط.

انتقال النشاط يعيد رسم السوق

قد يدفع استمرار تعطل الطرق والإمدادات بعض التجار إلى نقل مخزوناتهم أو إعادة توجيه عمليات التوريد والبيع نحو أسواق أخرى بحثًا عن ظروف تشغيل أكثر استقرارًا. وإذا استمر هذا التحول، فلن تقتصر خسارة تعز على تعطل وصول البضائع إليها، بل قد تمتد إلى تراجع الطلب على النقل والتخزين والعمالة والتوزيع، بما يحرم منشآت محلية من زبائن كانوا يشكلون مصدرًا لإيراداتها.

وتختلف آثار الحصار بحسب طبيعة النشاط، فالتجارة تستطيع نقل جزء من عملياتها نسبيًا، بينما ترتبط الصناعة بأصول ثابتة يصعب نقلها. وقد تتراجع أنشطة المنشآت الصناعية بسبب نقص المواد الخام أو تقلص السوق المتاحة لتصريف منتجاتها، ما يخفض استغلال طاقتها الإنتاجية ويرفع كلفة التشغيل لكل وحدة. ويظل تحديد حجم هذه الخسائر بحاجة إلى بيانات عن الإنتاج والتوقف والعمالة وتوافر المدخلات.

ويزيد انقسام السيطرة داخل المحافظة صعوبة استعادة الترابط التجاري، إذ تعوق اختلافات الحركة والتبادل بين مناطق السيطرة قدرة المنشآت على خدمة السوق المحلية بوصفها نطاقًا اقتصاديًا متصلًا. وقد يؤدي استمرار هذه العوائق إلى إضعاف الروابط التي تجمع الموردين والمنتجين والعملاء داخل تعز، حتى بعد تحسن تدفق بعض السلع.

وتكمن الخسارة الأعمق في احتمال تراجع قدرة تعز على الاحتفاظ بالإيرادات وفرص العمل والمنشآت المرتبطة بنشاطها التجاري والإنتاجي. وقد تستمر هذه الخسارة بعد تحسن الحركة، لأن استعادة الطريق لا تعيد تلقائيًا العلاقات التجارية التي تعطلت أو انتقلت إلى أسواق أخرى.

إن إنهاء الحصار والحرب قد يعيد إمكان الحركة، لكنه لا يضمن استعادة الموقع الاقتصادي الذي خسرته تعز. فالطريق يصل السوق بمحيطها، لكنه لا يضمن بقاء السوق نفسها.
 

المصدر: قناة اليمن اليوم
قراءة الخبر من موقعه الأصلي