المدنيون في العقيدة القتالية للحوثيين.. من الاستهداف المباشر إلى الدروع البشرية والتجنيد القسري

الإصلاح نت 2026/10/28 18:50 6 قراءة وقت القراءة 11 د
المدنيون في العقيدة القتالية للحوثيين.. من الاستهداف المباشر إلى الدروع البشرية والتجنيد القسري
 

حولت مليشيا الحوثيين حياة المدنيين إلى جحيم لا يطاق، سواء في مناطق سيطرتها أو مناطق سيطرة الحكومية الشرعية. ففي مناطق سيطرتها، تتخذ المليشيا من المدنيين دروعا بشرية، من خلال الزج بهم في أماكن مستهدفة بالقصف مثل مخازن الأسلحة، وتخزين الأسلحة في أماكن مأهولة بالسكان، فضلا عن التجنيد القسري لاتخاذ المدنيين وقودا لمعاركها.

أما في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، فيكون المدنيون عرضة للاستهداف المباشر، سواء من خلال القنص والقتل المتعمد دون تفريق بين امرأة وطفل وشيخ طاعن في السن، أو قصف الأحياء السكنية في القرى والمدن المأهولة بالسكان بشكل عشوائي، وكذلك قصف المنشآت المدنية كالمطارات والموانئ، بالإضافة إلى زراعة الألغام التي ستظل تقتل المدنيين حتى إلى ما بعد انتهاء الحرب، خصوصا أن المليشيا الحوثية تكثف من زراعة الألغام بشكل عشوائي دون خرائط لإزالتها مستقبلا.

استهداف المدنيين والأعيان المدنية

تقدم تعز نموذجا على أثر استخدام النيران في محيط سكني ممتد، حيث تتداخل خطوط التماس مع الأحياء والقرى، ويصبح المدنيون معرضين للقصف والشظايا والقنص.

في 13 أكتوبر الجاري، أعلنت السلطات الأمنية في تعز استشهاد ستة مدنيين وإصابة 18 آخرين خلال 24 ساعة، نتيجة قصف شنته مليشيا الحوثيين. وتحدث السلطات عن أضرار لحقت بسبعة منازل و12 مركبة، إضافة إلى مستشفى الصفوة وجامع السعيد. ومن بين الوقائع التي أوردها بلاغ السلطات الأمنية: سقوط قذيفة هاون في منطقة الكسارة، أودت بحياة بلال عبد العزيز علي غالب، البالغ 20 عاما، فضلا عن إصابات بين نساء وأطفال وكبار سن. كما أبلغ عن إصابة طفلة في الخامسة جراء قصف منزل أسرتها في منطقة حيصبان بمديرية المسراخ.

وفي 17 أكتوبر، أُعلن عن استشهاد امرأة وإصابة خمسة مدنيين، بينهم امرأة وطفلة، في وقائع قصف وقنص استهدفت مناطق سكنية في صبر الموادم. وشملت الحالات إصابة امرأة برصاص قناص في منطقة كحلان، وإصابة ثلاثة أشقاء بشظايا قذيفة سقطت على منزلهم في حي عقاقة.

أما في 20 أكتوبر، فقد سقط صاروخ باليستي أطلقته مليشيا الحوثيين على منطقة صينة المأهولة بالسكان وسط مدينة تعز. وأفادت السلطات باستشهاد امرأة وطفلة وإصابة مدنيين، بينهم نساء وأطفال، مع تضرر منزلين بشكل كامل. وفي اليوم نفسه، وردت تقارير عن إصابة فتيات بشظايا القصف في أحياء المدينة وقرى جبل صبر. وفي اليوم التالي، استشهد مدنيان وجرح آخرون جراء سقوط قذائف حوثية على سوق بير باشا بمدينة تعز.

وفي تقرير نشر في 24 أكتوبر الجاري، قالت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات إنها وثقت، خلال الفترة من 1 سبتمبر إلى 22 أكتوبر 2026 في تعز، 1,891 جريمة وانتهاكا ارتكبها الحوثيون. وذكرت أن الحصيلة شملت مقتل 212 مدنيا وإصابة 319 آخرين، إلى جانب أضرار واسعة في المنازل والمركبات، ووقائع قنص واختطاف واعتداء على منشآت مدنية.

المغزى العسكري هنا أن استمرار النيران في المناطق المأهولة بالسكان لا ينتج خسائر بشرية فحسب وإنما يفرض على المجتمع كلفة متراكمة، ويضعف الخدمات، ويزيد النزوح، ويجعل الحياة اليومية نفسها امتدادا لساحة القتال.

والأمر لا يقتصر على محافظة تعز وحدها، فمنذ بداية الحرب قصفت مليشيا الحوثيين عددا كبيرا من المناطق المأهولة بالسكان في عدد من المحافظات وتسببت باستشهاد عدد كبير منهم، مثل مأرب وحجة والبيضاء والجوف والحديدة والضالع ولحج وأبين وشبوة.

ولا تقتصر مخاطر استهداف المدنيين على الأحياء السكنية وإنما تشمل أيضا المطارات، مثل القصف الذي استهدف مطاري عدن والريان بحضرموت. فالمطار المدني منشأة ذات وظيفة مزدوجة من حيث أثره المجتمعي: فهو منفذ للنقل والسفر، ووسيلة لنقل المرضى والحالات الإنسانية، ومرفق يعتمد عليه الاقتصاد وحركة الإغاثة. ولذلك، فإن مهاجمته تضع المسافرين والعاملين والطائرات المدنية في دائرة الخطر.

ماذا تقول الأرقام عن حجم الخسائر؟

بحسب تقرير نشرته وكالة الأنباء اليمنية "سبأ" في 22 أغسطس 2026، ونسبت فيه البيانات إلى الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، بلغ عدد حالات القتل والإصابة التي وثقتها الشبكة بحق المدنيين ونسبتها إلى الحوثيين 58,904 حالات منذ يناير 2015 وحتى النصف الأول من 2026. وقالت الشبكة إن العدد شمل 15,478 قتيلا و35,654 مصابا، فيما تضمنت بقية الحصيلة حالات إضافية مرتبطة بالألغام والإصابات الناجمة عنها.

وفي تقرير آخر للجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، شملت الفترة من أغسطس 2025 إلى يوليو 2026، أعلن توثيق 2,062 واقعة انتهاك طالت 2,932 ضحية. وقالت اللجنة إنها حققت في 501 واقعة قتل وإصابة مدنيين، أسفرت عن 193 قتيلا و388 مصابا، ونسبت إلى الحوثيين مسؤولية 446 واقعة من هذه الوقائع.

المدنيون كدروع بشرية

هناك أنباء تتحدث عن تعمد مليشيا الحوثيين وضع أسرى معاركها الأخيرة ومختطفين جدد وسابقين في أماكن مستهدفة بقصف الطيران الحربي، كما أنها تخزن الأسلحة في منازل منهوبة تحيط بها أحياء سكنية مكتظة، وحتى إذا لم تُستهدف هذه المخازن بالقصف فإن وقائع سابقة تؤكد انفجار هذه المخازن بشكل أثر على المدنيين في الأحياء السكنية التي تقع في نطاقها.

أما الهدف من تعمد اتخاذ المدنيين دروعا بشرية، فذلك لاستغلالهم لتقييد حركة الخصم أو التأثير في قراره أو رفع الكلفة السياسية والإنسانية لأي هجوم محتمل.

وقد يأخذ هذا السلوك أشكالا مختلفة: احتجاز أشخاص في منشآت عسكرية، أو نقل مختطفين إلى مواقع يتوقع تعرضها للقصف، أو استخدام وجودهم وسيلة لردع الهجمات على موقع أو شخصية أو مخزن.

ومن منظور عسكري، يقوم هذا الأسلوب على نقل جزء من كلفة القرار إلى الخصم، ذلك أن المهاجم الذي يواجه احتمال قتل محتجزين مدنيين قد يتراجع عن ضرب الهدف، أو يغير خطته، أو يتحمل كلفة تأخير العملية. وهكذا يتحول الإنسان من شخص محمي إلى أداة ضغط في معادلة عسكرية لا يملك التحكم فيها.

وتعد قضية الصحفيين عبد الله قابل ويوسف العيزري من أبرز الوقائع التي أثيرت في اليمن بشأن استخدام المختطفين دروعا بشرية.

ففي مايو 2015، أفادت تقارير صحفية وشهادات نشرتها وسائل إعلام يمنية بأن الحوثيين احتجزوا صحفيين وناشطين، ونقلوا بعضهم إلى مبنى الرصد الزلزالي ومنشآت في منطقة هران بمحافظة ذمار. وتحدثت التقارير عن وجود محتجزين داخل الموقع عندما تعرضت المنطقة لقصف جوي للتحالف في 21 مايو 2015. ونقلت تقارير إعلامية عن أسر محتجزين وشهود اتهامات بأن المختطفين نقلوا إلى الموقع أو أبقوا فيه رغم توقع تعرضه للهجوم.

وتمثل قضية السياسي اليمني الأستاذ محمد قحطان حالة بالغة الخطورة في ملف الاحتجاز والإخفاء القسري. فقد احتجزه الحوثيون في عام 2015، وظل مصيره موضع خلاف ومطالبات مستمرة بالكشف عنه طوال سنوات.

وقبل أشهر، زعمت مليشيا الحوثيين أن محمد قحطان توفي نتيجة غارة جوية عام 2015، أثناء احتجازه في موقع تعرض للقصف، بينما رفضت أسرته الرواية المطروحة وطالبت بكشف الحقيقة.

وتؤكد قضية قحطان كيف يمكن أن يتحول احتجاز الخصوم السياسيين إلى أداة ضغط تتجاوز الشخص المحتجز نفسه، لتطال أسرته والحياة السياسية ومفاوضات تبادل الأسرى. وعندما يحجب المصير أو يستغل الغموض في المفاوضات، يصبح الاحتجاز وسيلة إكراه ممتدة وليس مجرد إجراء أمني مؤقت.

لماذا يستخدم هذا الأسلوب؟

يمكن تفسير استخدام الدروع البشرية من خلال أربعة اعتبارات:

أولا، ردع الهجوم: قد يؤدي وجود محتجزين إلى تقييد خيارات الخصم أو دفعه إلى تأخير العملية.

ثانيا، نقل الكلفة السياسية: إذا قتل المحتجزون في غارة، فقد تسعى الجهة التي احتجزتهم إلى تحميل الخصم المسؤولية كاملة، حتى عندما تكون هي التي وضعت المدنيين في الموقع الخطير.

ثالثا، إدارة الصراع السياسي: قد يتحول المحتجزون إلى أوراق تفاوض، تستخدم للضغط على أسرهم أو خصومهم أو الأطراف الوسيطة.

رابعا، التحكم بالمعلومات: يؤدي إخفاء أماكن الاحتجاز ومصائر المحتجزين إلى صعوبة التحقق المستقل، ويجعل الأسر تعتمد على تسريبات متضاربة أو وساطات غير مضمونة.

تجنيد المدنيين والأطفال قسرا

وهذه من أكثر الملفات الشائكة بعد تزايد شكاوى المواطنين في مناطق سيطرة مليشيا الحوثيين من إقدام قيادات في المليشيا على اختطاف أطفالهم وإجبارهم على القتال، وهناك قصص مؤلمة تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي، بينما معظم الحالات يجري التكتم بشأنها جراء خوف ذوي الضحايا من بطش المليشيا الحوثية.

في الحسابات العسكرية، لا تعني زيادة عدد المقاتلين بالضرورة زيادة مماثلة في القوة القتالية، ذلك أن المقاتل يحتاج إلى التدريب والانضباط والقيادة والتجهيز والقدرة على تنفيذ المهام، كما يحتاج إلى فهم المخاطر التي يواجهها وإلى قرار واعٍ بالمشاركة في القتال.

وعندما تدفع مليشيا الحوثيين بالمدنيين والأطفال إلى الجبهات قسرا من دون تأهيل كافٍ، أو تستقطب الأطفال عبر الضغط والتعبئة الأيديولوجية أو الوعود والمغريات، فإن العدد الإضافي من شأنه تحويل قوة بشرية للتعرض للخسائر.

ولذلك فإن تجنيد الأطفال والمدنيين قسرا يرتبط بكيفية تعويض الخسائر، وتوفير الأفراد للجبهات، والمحافظة على استمرارية العمليات في ظل الاستنزاف.

ويعد تجنيد الحوثيين للأطفال قسرا واستخدامهم كوقود لمعاركهم من أخطر الانتهاكات المرتبطة بالحرب اليمنية. فالأطفال أكثر عرضة للتأثر بالضغط النفسي والاجتماعي، وأقل قدرة على تقدير مخاطر الموت والإصابة والأسر، كما أن إخراجهم من التعليم والأسرة يترك آثارا طويلة الأمد تتجاوز مدة العمليات العسكرية.

وفي 15 أكتوبر الجاري، حذرت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاع المسلح من تصاعد الانتهاكات الخطيرة ضد الأطفال في اليمن. وأعلنت أن الأمم المتحدة وثقت أكثر من 60 انتهاكا جسيما بحق الأطفال منذ 3 سبتمبر 2026، في ظل التصعيد العسكري الجديد.

لماذا يحتاج الحوثيون إلى التجنيد المستمر؟

تتعمد مليشيا الحوثيين إجبار المدنيين والأطفال على القتال وليكونوا وقودا لمعاركها من أجل تعويض خسائرها البشرية في حرب طويلة، خصوصا عندما تتسع الجبهات وتتزايد الحاجة إلى إبقاء القوات المنتشرة قادرة على الاستمرار.

ولزيادة عدد المجندين فإن المليشيا تستغل هشاشة بعض الأسر والظروف الاقتصادية، حيث قد تدفع الحاجة أو غياب البدائل بعض العائلات إلى القبول بمشاركة أبنائها مقابل ما ستحصل عليه من سلال غذائية أو فتات من المال يبقيها على قيد الحياة.

الأطفال ليسوا موردا عسكريا مشروعا

تؤكد قواعد القانون الدولي ذات الصلة حماية الأطفال من التجنيد والاستخدام في الأعمال العدائية، ويحظر البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة تجنيد الجماعات المسلحة، المتميزة عن القوات المسلحة للدولة، للأطفال دون سن 18 عاما أو استخدامهم في الأعمال العدائية.

ويقتضي ذلك التعامل مع الأطفال المرتبطين بالجماعات المسلحة باعتبارهم أولا ضحايا يحتاجون إلى الحماية والتأهيل وإعادة الإدماج، مع مراعاة ظروف كل حالة.

وعندما يُرسل طفل إلى الجبهة، فإن الضرر لا يقتصر على احتمال مقتله أو إصابته، وإنما يشمل انقطاعه عن التعليم، وحرمانه من النمو الطبيعي، واحتمال تعرضه للصدمات النفسية، وتضرر علاقته بأسرته ومجتمعه. وقد تستمر هذه النتائج سنوات بعد توقف المعارك.

وهكذا يتضح موقع المدنيين في العقيدة القتالية للحوثيين، فهم في مناطق سيطرتهم عرضة للقتل من خلال التجنيد القسري واتخاذ معارضيهم دروعا بشرية في أماكن مستهدفة بالقصف، بينما المدنيون في مناطق سيطرة الحكومية الشرعية تستهدفهم المليشيا من خلال القنص، وزراعة الألغام، والاستهداف المباشر للأحياء السكنية بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة والقصف بالمدفعية.