جرائم الخيانة العسكرية بين أحكام القانون وجسامة الغدر بالوطن
سبتمبر نت: القاضي /صلاح القميري
ليست الخيانة العسكرية مجرد مخالفة لأمر عسكري أو تنكّر لعهد الدفاع عن الوطن، بل هي غدر بأمانة الدم والسلاح والأرض والسيادة، واعتداء على الثقة التي أُودعت فيمن يتولى حماية القوات والمواقع والأسرار العسكرية. فالقائد العسكري المؤتمن على القوات والمواقع ووسائل الدفاع يتحمل واجب القيادة وتبعة ما يتخذه من قرارات أو يهمله من تدابير، في حدود واجباته وسلطته والظروف الفعلية المحيطة بالواقعة.
وقد يدفع المقاتل الشريف دمه ثمنًا للخيانة أو التفريط، وقد يدفع الوطن أمنه وأرضه وسيادته ثمنًا للغدر. فالمواطن الشريف لا يخون وطنه، والجندي الأمين لا يجعل السلاح المؤتمن عليه وسيلة لإضعاف رفاقه أو تمكين العدو، والقائد العسكري لا تُقاس أمانته برتبته وأقواله، بل بأدائه لواجبه، وما اتخذه من تدابير لحماية القوات والمواقع والمهمات المسندة إليه.
ومن هنا، فإن مواجهة جرائم الخيانة العسكرية تقتضي الحزم في التحقيق والمساءلة، والتمييز الدقيق بين الخيانة والتقصير والإهمال المجرّم، دون تبرير مسبق أو إدانة بغير دليل. فلا مجال للتهاون مع الخيانة، ولا للتستر على التفريط الذي يجرّمه القانون، ولا لإهدار العدالة باسم جسامة النتائج.
أولًا: الإطار القانوني لجرائم الخيانة العسكرية
نظّم القانون اليمني رقم (21) لسنة 1998م بشأن الجرائم والعقوبات العسكرية الجرائم التي تمس أمن القوات المسلحة وقدرتها القتالية وسلامة مواقعها وأسلحتها وأسرارها. وتبرز في هذا السياق المادتان (15) و(16)، اللتان تميزان بين الأفعال المرتكبة بقصد الخيانة، والأفعال ذات الصلة إذا ارتُكبت بطريق الإهمال أو عدم الاحتياط أو التقصير. كما تسري القواعد العامة في قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994م في الحدود التي يقررها القانون، وبما لا يتعارض مع الأحكام العسكرية الخاصة.
وتنص المادة (15) على معاقبة من يرتكب بقصد الخيانة الأفعال المحددة فيها، ومن صورها تسليم حامية أو موقع أو مركز للعدو، أو إلقاء السلاح والذخائر والمعدات أمامه دون سبب قاهر، والإضرار بالأعمال القتالية عمدًا، وغيرها من الأفعال التي أوردها النص. وقد قررت المادة العقوبات المحددة فيها وفق أحكامها وشروط تطبيقها.
أما المادة (16)، فتتناول الصور التي حددها النص من ارتكاب الأفعال الواردة في المادة السابقة بطريق الإهمال أو عدم الاحتياط أو التقصير، أو تسهيل ارتكابها بهذه الصور، وتقرر لها العقوبة المنصوص عليها فيها.
وبذلك، فإن انتفاء قصد الخيانة لا يعني بالضرورة انتفاء المسؤولية؛ فقد يكون الفعل مجرّمًا بموجب المادة (16) متى توافرت عناصرها. لكن لا يجوز اعتبارها بديلًا تلقائيًا عن المادة (15)، بل يتعين تحديد الوصف القانوني وفق حقيقة الفعل والقصد وظروفه والأدلة المثبتة له.
ثانيًا: قصد الخيانة والتقصير الأهمال المجرّم
يشكل قصد الخيانة عنصرًا جوهريًا في تطبيق المادة (15)، فلا يكفي وقوع خسارة عسكرية أو سقوط موقع لإثباته، كما لا يجوز استخلاصه من جسامة النتيجة وحدها دون فحص الأدلة والظروف المحيطة بالفعل.
وفي المقابل، لا يجوز اتخاذ عدم ثبوت قصد الخيانة ذريعةً لإغلاق ملف المساءلة أو إهدار ما تكشف عنه الوقائع من إهمال أو عدم احتياط أو تقصير. فإذا توافرت عناصر المادة (16)، وجب بحث المسؤولية على أساسها وتطبيق حكم القانون.
فالخيانة والتقصير والإهمال، ليسا وصفًا واحدًا، لكن اختلافهما لا يعني التساهل مع أي منهما. الواجب هو تحقيق جاد يستوعب الأوصاف القانونية المحتملة، ويحدد الفعل المنسوب إلى كل شخص وصلته بالنتيجة، ثم ينتهي إلى الوصف والعقوبة اللذين يقررهما القانون.
ثالثًا: تسليم المواقع وترك السلاح في ظروف القتال:
إن تسليم موقع عسكري للعدو أو ترك السلاح والذخائر والمعدات والأسرار الدفاعية في متناوله من الوقائع البالغة الخطورة؛ لما قد يترتب عليها من انهيار الدفاعات، وتعريض حياة المقاتلين للخطر، وتمكين العدو من الاستيلاء على المواقع والقدرات القتالية، أو الانتفاع بما تُرك له من وسائل وأسرار دفاعية.
ويقتضي واجب الدفاع استنفاد وسائل الدفاع وفق مقتضيات المعركة والأوامر العسكرية، وعدم التسليم للعدو أو تمكينه من السلاح والمعدات والأسرار دون مسوغ، ولا يجوز اتخاذ ظروف القتال ذريعةً للتفريط، أو الاحتجاج بالضرورة دون سند واقعي يثبتها.
ومع ذلك، فإن التكييف القانوني لا يُبنى على النتيجة المجردة وحدها، بل يقتضي فحص طبيعة المهمة والأوامر الصادرة، وحجم التهديد، والوسائل المتاحة، والوقت الممكن لاتخاذ القرار، وإمكان مواصلة الدفاع أو الانسحاب المنظم، ووجود سبب قاهر من عدمه، ومدى التزام المكلف بالموقع بواجباته.ويُقدَّر السبب القاهر وفق النص القانوني المنطبق وظروف الواقعة والأدلة ودلائل الحال والواقع ، لا بمجرد ادعائه أو التذرع به بعد وقوع النتيجة. فإذا ثبت التسليم أو إلقاء السلاح دون السبب الذي يتطلبه القانون، وتوافرت عناصر الجريمة وقصد الخيانة ثمنها ، وجب تطبيق النص المنطبق.(الإعدام) وإذا انتفى هذا القصد، وجب بحث ما إذا كان الفعل يشكل إهمالًا أو عدم احتياط أو تقصيرًا معاقبًا عليه بموجب المادة (16).
فلا خسارة عسكرية تُثبت الخيانة وحدها، ولا ظروف معركة تُسقط المسؤولية ؛ الفيصل هو القانون والأدلة وحقيقة الواقع والوقائع ما كان ممكنًا ومطلوبًا في ظروف الواقعة.
رابعًا: مسؤولية القائد العسكري:
تقتضي الوقائع التي تمس سلامة المواقع والقوات والأسلحة بحث مسؤولية القائد العسكري في ضوء واجباته وسلطته الفعلية، والأوامر التي تلقاها، والوسائل المتاحة له، وما اتخذه أو أهمله من تدابير، ومدى صلته بالفعل والنتيجة.
ويجب مراعاة المادة (23) من قانون الجرائم والعقوبات العسكرية، والتحقق من نطاق انطباقها على الواقعة، وما تقرره من أحكام خاصة بشأن مسؤولية القائد والأدنى منه رتبة في الجرائم الواردة في الفصل الذي تنتمي إليه، وما يرتبط بذلك من شروط قانونية. فلا يجوز إغفال النص الخاص أو استبداله بقاعدة عامة دون التحقق من الأحكام الواجبة التطبيق.
فالقيادة العسكرية ليست امتيازًا منفصلًا عن التبعة؛ فمن يتولى قيادة وحدة عسكرية أو موقع قتالي، ويتحمل مسؤولية حمايتهما، يلتزم باليقظة وحسن التقدير واتخاذ التدابير اللازمة، واستنفاد كافة وسائل الدفاع المتاحة في حدود واجباته وإمكاناته والأوامر الصادرة إليه. ولا يجوز أن يُتخذ غياب قصد الخيانة ستارًا يحجب بحث الإهمال أو التقصير ،و تقوم المسؤولية بفقدان القوة والموقع أو السلاح، وفق أحكام القانون .وتقتضي المساءلة فحص الأوامر والبلاغات وسجلات الأسلحة والذخائر والاتصالات ومحاضر العمليات وشهادات المشاركين وسائر الأدلة ذات الصلة، وربطها بالفعل المنسوب إلى كل شخص. فلا تقوم المسؤولية لمجرد الرتبة أو وقوع النتيجة، بل وفق النص القانوني المنطبق والأدلة التي تثبت عناصرها، مع احترام ضمانات المحاكمة العادلة.
خامسًا: جسامة الخيانة وواجب المساءلة
إن الخيانة العسكرية، متى ثبتت عناصرها، تؤدي إلى إراقة دماء المقاتلين، وسقوط المواقع، والاستيلاء على الأسلحة والمعدات، وكشف الأسرار الدفاعية، وإضعاف القدرة القتالية، والإضرار بأمن الدولة وسيادتها. وقد تتجاوز آثارها مرتكب الفعل إلى رفاقه ووحدته العسكرية والوطن بأسره.
ولهذا، لا مجال للتراخي في التحقيق، ولا للتبرير المسبق الذي يعطل الوصول إلى الحقيقة، ولا للمحاباة في إسناد المسؤولية أو إنفاذ القانون. ويتعين على جهات التحقيق أن تميز بين الخيانة العمدية والتقصير، وبين الضرورة العسكرية التي تسندها الوقائع والادعاء المجرد بها، وأن تطبق النص القانوني الصحيح متى ثبتت عناصر الجريمة.
إن صرامة القانون لا تعني افتراض الإدانة، كما أن ضمانات العدالة لا تعني التساهل مع الخيانة أو التفريط. بل تقتضي حزمًا في التحقيق، ودقة في إثبات المسؤولية، وإنفاذًا للقانون دون محاباة أو تبرير.
الخلاصة:
أن الخيانة العسكرية والتقصير المجرّم صورتان مختلفتان من حيث عناصرهما القانونية، لكنهما لا يبرران التهاون في المساءلة. فانتفاء قصد الخيانة لا ينفي احتمال قيام جريمة أخرى، كما أن جسامة النتيجة لا تكفي وحدها لإثبات الجريمة أو إسنادها إلى قائد عسكري بعينه.
ويظل تسليم المواقع أو ترك السلاح والمعدات والأسرار الدفاعية في ظروف القتال من الوقائع التي تستوجب تحقيقًا دقيقًا، يوازن بين الواجبات العسكرية والظروف الفعلية، دون اتخاذ وسائل الضرورة ذريعةً للتفريط أو الخسارة دليلًا قائمًا بذاته على الخيانة. وتُحدَّد مسؤولية القائد وفق النصوص الخاصة المنطبقة، وواجباته وصلاحياته، وما تثبته الأدلة من أفعال أو تقصير.
إن الوطن الذي يأتمن أبناءه على السلاح والمواقع والأسرار يأتمنهم على أمنه وسيادته؛ فلا يجوز إهدار هذه الأمانة بخيانة متعمدة، ولا ترك التفريط والإهمال بلا مساءلة. الجندي والمواطن الشريف لا يخون وطنه، والقائد لا تُقاس أمانته برتبته، او منصبه ، بل بما أداه من واجب، وما صانه من أرواح ومواقع وأسلحة وأسرار. فقد يدفع المقاتل الشريف دمه ثمنًا للتفريط، وقد يدفع الوطن أمنه وأرضه وسيادته ثمنًا للغدر.
فأمانة الدفاع عن الوطن عهد لا يقبل العبث، والخيانة جريمة لا يجوز التستر عليها، والتقصير والإهمال، لا تسقط مسؤوليته بالتبرير. لا مجال للتهاون في التحقيق، ولا للمحاباة في المساءلة، ولا للتبرير الذي يهدر أمانة الدم والسلاح والوطن؛ فالقانون يُنفذ، والمسؤولية تُثبت، والعدالة تُنزل حكمها على كل من تثبت إدانته.