الصواريخ الحوثية.. إرهاب عابر للمحافظات وذراع إيرانية تهدد المنطقة

الإصلاح نت 2026/10/29 18:25 1 قراءة وقت القراءة 11 د
الصواريخ الحوثية.. إرهاب عابر للمحافظات وذراع إيرانية تهدد المنطقة
 

لم تعد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستخدمها مليشيا الحوثي الانقلابية مجرد أسلحة تقليدية في سياق مواجهة عسكرية محدودة مع القوات الحكومية، بل تحولت إلى أدوات دمار شامل للقتل والترويع وتوسيع دائرة الحرب والخراب، في سلوك دموي يكشف الطبيعة الحوثية الإمامية للمشروع الذي تحمله هذه المليشيا، ويضع حياة اليمنيين وأمن واستقرار المنطقة بأسرها أمام مخاطر وجودية متزايدة، فمن الأحياء السكنية المكتظة بالمدنيين في تعز إلى مطار عدن الدولي ومعسكر العلم في شبوة، ومن المواقع العسكرية المتقدمة إلى المنشآت الحيوية وممرات الملاحة البحرية الدولية والهجمات التي طالت المملكة العربية السعودية، تتكرر الاعتداءات الإرهابية وتتسع رقعتها الجغرافية، بينما تتزايد الخسائر البشرية والمادية الباهظة، ويظل المدنيون الأبرياء الحلقة الأضعف والضحية الدائمة في مواجهة آلة عسكرية همجية لا تقيم وزناً لعواقب أفعالها على المجتمع والنسيج الاجتماعي.

وتكشف الوقائع المتلاحقة على الأرض أن المليشيا لم تعد تتعامل مع الصواريخ بوصفها وسيلة لتحقيق أهداف ميدانية عسكرية محددة فحسب، بل باعتبارها أداة انتقام عمياء، ووسيلة ضغط خبيثة لتركيع خصومها، وتهديد المحافظات المحررة، وإرباك مؤسسات الدولة الشرعية، وفتح جبهات عبثية تتجاوز الحدود اليمنية لتهديد دول الجوار.

ويزداد هذا النهج العدواني خطورة مع ما تكشفه التقارير الحكومية والاستقصائية بشأن الدعم اللوجستي الإيراني المتواصل للقدرات الصاروخية والمسيّرة، ونقل الخبراء والخبرات التقنية والمكونات العسكرية المهربة التي تمنح المليشيا القدرة على تهديد الأهداف القريبة والبعيدة، مما يحتم على كافة القوى الوطنية وحلفائها رص الصفوف لمواجهة هذا الخطر المحدق بالهوية والوجود اليمني والمنطقة بأسرها.

 

الموت العابر للمحافظات

وقد اتسعت خريطة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الحوثية خلال التصعيد الأخير لتشمل محافظات ومناطق يمنية متعددة، في مؤشر واضح على أن المليشيا تسعى يائسة إلى نقل المعركة من جبهات القتال المباشر إلى نطاق أوسع يطال المدن الآمنة والمنشآت الحيوية ومراكز تجمع المدنيين والقوات الحكومية.

فلم تعد المخاطر الممنهجة مقتصرة على المناطق الواقعة في خطوط التماس، إذ باتت الصواريخ العبثية تهدد الطرق العامة، والمطارات المدنية، والمقرات الحكومية، والمعسكرات التدريبية، بينما تتعرض الأحياء السكنية للقصف المدفعي والصاروخي المباشر، أو تقع ضمن دائرة الخطر القاتل الناتج عن فشل عمليات الإطلاق وسقوط المقذوفات وحطامها المتفجر فوق منازل العزل.

ففي محافظة تعز تواصلت الهجمات البربرية على الأحياء السكنية والمناطق المحيطة بجبهات القتال، بالتزامن مع الحصار الظالم المفروض على المدينة واستهداف طرقها الحيوية ومقومات الحياة الأساسية فيها، حيث وثقت التقارير الحقوقية سقوط أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى المدنيين، وتدمير منازل المواطنين ومركباتهم ومرافقهم الخدمية.

وتكشف هذه الجرائم اليومية أن المليشيا لا تكتفي بمواجهة أبطال الجيش الوطني، بل تتعمد إبقاء السكان تحت وطأة رعب دائم لا يستطيعون دفع أضراره، لا سيما مع استخدام الأسلحة بعيدة المدى والقذائف المدمرة في مناطق مأهولة بالسكان.

ولم يقتصر الأمر على تعز، بل امتد التصعيد ليشمل محافظة عدن عبر استهداف المنشآت الحيوية ومحيط المطار الدولي، إلى جانب محافظة شبوة التي شهدت اعتداءات دموية، ومحافظة حضرموت التي شهدت اعتداءات هي الأخرى، مما يعني أن التهديد الحوثي أصبح نمطاً متكرراً لتقويض استقرار المناطق المحررة، مستغلاً عجز المدنيين عن توقع مسارات هذه المقذوفات الطائشة التي تحصد أرواح الأبرياء بلا هوادة.

 

جرائم تكشف الوحشية الحوثية

وقد مثّل استهداف العاصمة المؤقتة عدن ومعسكر العلم في محافظة شبوة محطة بالغة الخطورة والدموية في مسار التصعيد الحوثي المستمر، بعدما توسعت الهجمات الإجرامية لتطال مؤسسات سيادية، ومرافق مدنية حيوية، ومواقع عسكرية تضم أعداداً غفيرة من الأفراد والمنتسبين للجيش والأمن.

ولم تكن هذه الهجمات الغاشمة مجرد أحداث عسكرية منفصلة، بل عكست بجلاء رغبة دموية محمومة في إلحاق أكبر قدر من الخسائر البشرية والمادية في صفوف أبناء المحافظات المحررة.

ففي منتصف أكتوبر الجاري، تعرض مجمع قصر معاشيق الرئاسي في عدن لهجوم صاروخي غادر أسفر بحسب البيانات الرسمية عن سقوط شهداء وجرحى مدنيين وعسكريين، تلاه في اليوم التالي سقوط صاروخين في محيط مطار عدن الدولي وبالقرب من طائرة مدنية كانت تستعد للإقلاع بركابها نحو القاهرة، بالإضافة قصف صاروخي طال مطار الريان في حضرموت.

أما الجريمة الكبرى والأكثر دموية، فوقعت في معسكر العلم بمحافظة شبوة عندما استهدف صاروخ غادر مركزاً تدريبياً للمجندين، مخلفاً حصيلة فادحة من الشهداء والجرحى من أبناء قوات الأمن والشرطة والجيش الوطني، وبلغت الحصيلة أكثر من 70 فردا وأكثر من 200 جريح.

وقد أصدر التجمع اليمني للإصلاح في محافظة شبوة بياناً حازماً أكد فيه أن جرائم المليشيا الحوثية لا تستثني أحداً، وأن خطرها الإرهابي يهدد كافة المكونات والقوى الوطنية التي تقف في صف الجمهورية، مشدداً على أن مواجهة هذا المشروع السلالي المارق تتطلب رص الصفوف وتوحيد الجهود لحماية المواطنين واستعادة مؤسسات الدولة المغتصبة.

وتؤكد هذه المحطات الدامية أن الصواريخ الحوثية باتت تشكل خطراً داهماً على المطارات والمقرات السيادية والتجمعات البشرية، متجاوزة كل الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية.

 

منصات إطلاق في الأحياء السكنية

ولم تكن صواريخ وطائرات مليشيا الحوثي الإرهابية، المدعومة بالكامل من النظام الإيراني، سوى أداة دمار شامل وعبث أعمى يسوم اليمنيين سوء العذاب في طول البلاد وعرضها، متجاوزة كل المحرمات الدينية والأخلاقية والإنسانية. فعلى امتداد الجغرافيا اليمنية، من قرى مديرية نهم وسعوان شرق العاصمة المختطفة صنعاء، إلى الأحياء السكنية المكتظة بالمدنيين في مأرب وتعز والحديدة، تتساقط المقذوفات الباليستية والمسيّرات الحوثية لتزرع الموت وتخلف أشلاء الأطفال والنساء.

وقد ثبت من خلال التتبع الميداني والحقوقي الواسع لهذه الظاهرة الدموية بما لا يدع مجالاً للشك تجرد هذه الجماعة الإرهابية من أي وازع وطني، إذ وثقت التقارير الميدانية تكرار حوادث الفشل الفني المتصاعد في عمليات إطلاق الصواريخ وانحرافها الدائم عن مساراتها المفترضة، لترتد كابوساً مدمراً على منازل الآمنين والعزل. فلم يكن استهداف منزل المواطن مبخوت أحمد محمد القشعة في قرية عيال محمد بنهم، والذي أسفر عن مجزرة بشرية مروعة سقط فيها شهداء وجرحى من نساء وأطفال القرية، سوى نموذج متكرر لمآسي اليمنيين مع هذه المليشيا، يضاف إليها قصف مخيمات النازحين في رأس عمران ومأرب، والأحياء السكنية في التواهي والبريقة، حيث يؤكد استمرار هذا التساقط العشوائي للمقذوفات استهتار الحوثيين المطلق بدماء أبناء الشعب، وتعمدهم تحويل المدن والمناطق السكنية والقرى المأهولة إلى منصات إطلاق خفية ودروع بشرية، متعمدين خلق واقع من الرعب المستمر لتركيع المجتمع وإخماد أي صوت ينبض بروح الجمهورية والحرية والرفض القاطع للمشروع الكهنوتي.

 

خبراء إيرانيون

ولا يمكن تفسير تطور القدرات الصاروخية والمسيّرة لدى مليشيا الحوثي بمعزل عن الدعم الخارجي الذي تتهم الحكومة اليمنية إيران بتقديمه للمليشيا، سواء عبر الخبراء والتدريب أو نقل المكونات التقنية أو المساعدة في تطوير أنظمة التوجيه والتشغيل.

فقد تناولت تقارير صحفية وتحقيقات متخصصة وجود خبراء إيرانيين وعراقيين ولبنانيين يقدمون مشورة فنية وإشرافًا في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة والاستخبارات.

وفي يوليو 2026، نقلت وكالة رويترز عن مصادر مطلعة أن إيران أرسلت إلى اليمن قادة ومستشارين من الحرس الثوري ومعدات مرتبطة بالصواريخ والمسيّرات، في تطور قالت المصادر إنه يهدف إلى تعزيز قدرات الحوثيين وتهديد الملاحة في البحر الأحمر.

وفي سبتمبر 2026، أعلنت القوات الحكومية اليمنية مقتل أربعة خبراء إيرانيين قالت إنهم متخصصون في تشغيل الصواريخ والمسيّرات في تعز.

وتداولت مواقع إخبارية، في أكتوبر 2026، تقريرًا عن مقتل ثلاثة خبراء إيرانيين وأربعة عناصر حوثية في غارات استهدفت موقعًا مرتبطًا بالقوة الصاروخية في منطقة الصباحة غربي صنعاء.

كما أوردت تقارير صحفية اسم بكيل محمد الحضرمي، المعروف بأبي الفضل الحضرمي، ضمن القيادات الحوثية التي قيل إنها ارتبطت بعمليات الصواريخ الباليستية والمسيّرات، وأفادت بمقتله خلال التطورات العسكرية الأخيرة، بالإضافة إلى ذلك ورد اسم محمد محسن أشعب ضمن تقارير الخسائر المرتبطة بقيادات ومعاوني المليشيا الحوثية.

 

ترسانة متعددة القدرات

لم تعد القدرات الصاروخية والعسكرية لمليشيا الحوثي الانقلابية مقتصرة على الأسلحة التقليدية التي استولت عليها من مخازن الجيش اليمني عقب انقلابها على الدولة، بل اتجهت المليشيا، وفق تقارير ودراسات عسكرية وأمنية، إلى تطوير ترسانة متنوعة تتيح لها تنفيذ هجمات بعيدة المدى، واستهداف المنشآت الحيوية، ودول الجوار، وتهديد خطوط الملاحة الدولية.

ويعكس هذا التحول، بحسب المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، تطورًا في طبيعة التسليح الحوثي، يرتبط بالدعم الإيراني ونقل الخبرات والتقنيات العسكرية، إلى جانب محاولات تجميع بعض المنظومات وتعديلها محليًا.

وتضم الترسانة التي تناولها المعهد صواريخ باليستية بعيدة المدى، من بينها «فلسطين-2»، الذي يُقدّر مداه بأكثر من ألفي كيلومتر، وصاروخ «طوفان»، الذي تتراوح تقديرات مداه بين 1350 و1950 كيلومترًا، فضلًا عن صواريخ «قدس» الجوالة المخصصة لاستهداف أهداف برية ومنشآت اقتصادية.

وتبرز خطورة هذه المنظومات في قدرتها على توسيع نطاق الهجمات إلى ما وراء الحدود اليمنية، وإبقاء المنشآت الحيوية والمطارات ومصادر الطاقة والممرات البحرية ضمن دائرة التهديد.

ولا يقتصر التطور على الصواريخ البرية، إذ تشمل القدرات المنسوبة للحوثيين طائرات مسيّرة انتحارية، من بينها منظومات «صماد» و«وعيد» و«يافا»، وصواريخ مضادة للسفن مثل «المندب-2» و«عاصف»، إلى جانب امتلاكها وسائل بحرية غير مأهولة.

كما تشير المصادر إلى تعديلات يُعتقد أن خبراء إيرانيين ساعدوا في تنفيذها على بعض المنظومات، بما فيها تحويل صواريخ أو معدات دفاع جوي قديمة إلى أسلحة هجومية.

ويثير هذا التنوع مخاوف تتجاوز حدود المواجهة العسكرية داخل اليمن، خصوصًا مع ارتباط بعض الهجمات باستهداف المنشآت الاقتصادية والممرات البحرية، وتتهم تقارير شركة «طيران ماهان» الإيرانية باستغلال رحلاتها إلى مطار صنعاء لنقل مستشارين ومكونات عسكرية وتقنيات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

 

شبكات تهريب وتقنيات حديثة

وتُظهر المعلومات أن استمرار تطور الترسانة الحوثية يرتبط، إلى جانب الدعم الإيراني المزعوم، بشبكات إمداد معقدة تستفيد من طرق التهريب البحرية والبرية ومن الأسواق التجارية العالمية.

ووفقًا للمصادر، تعتمد إحدى آليات الإمداد على نقل أجزاء الصواريخ والطائرات المسيّرة بصورة منفصلة بدلًا من شحن المنظومة كاملة، بما يقلل احتمال اكتشاف الشحنة بأكملها أو خسارتها عند اعتراض إحدى وسائل النقل.

وتشمل هذه الأجزاء مكونات المحركات والتوجيه الإلكتروني وخزانات الوقود وأجزاء أخرى، قبل نقلها إلى مواقع التجميع داخل اليمن.

وتشير المصادر كذلك إلى استخدام قوارب صيد ومسارات بحرية متفرقة عبر البحر الأحمر وخليج عدن، مع الحديث عن نقاط عبور وتفريغ في مناطق من القرن الإفريقي، بينها سواحل الصومال وجيبوتي، كما تتناول دور الشركات التجارية الوسيطة في شراء مكونات مدنية يمكن استخدامها لأغراض متعددة، مثل الرقائق الإلكترونية والمحركات الصغيرة وأجهزة الاتصال والمواد المقاومة للحرارة.

وتوضح هذه المعطيات أن ملاحقة السلاح بعد وصوله إلى اليمن قد لا تكون كافية إذا ظلت شبكات الشراء والتمويل والنقل قادرة على توفير مكوناته الأساسية.

وتتمثل خطورة هذا النموذج في إمكانية توزيع عمليات التجميع والتخزين على ورش صغيرة ومواقع متفرقة بدلًا من الاعتماد على مصانع كبيرة يسهل رصدها واستهدافها، وهو ما يجعل تفكيك الترسانة مهمة تتطلب أكثر من الضربات العسكرية، لتشمل تتبع شبكات التهريب والتمويل والشركات الوسيطة، وتشديد الرقابة على المكونات ذات الاستخدام المزدوج، وتعزيز التعاون الاستخباراتي الدولي.