فك حصار تعز أولوية وطنية.. الهجري: صمود المدينة دفاع عن الجمهورية والمواطنة المتساوية
تتجاوز رسالة عضو الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح رئيس الكتلة البرلمانية، عبد الرزاق الهجري، في مقاله «تعز عاصمة الصمود وضمير اليمن»، حدود التضامن مع مدينة أنهكتها الحرب والحصار الحوثي، لتقدم قراءة سياسية لمكانة تعز في المعادلة الوطنية، ولطبيعة المعركة التي يخوضها اليمنيون من أجل استعادة الدولة وترسيخ النظام الجمهوري والمواطنة المتساوية.
يستحضر المقال المكانة العلمية والثقافية لتعز وتضحيات أبنائها، وتوجهًا نحو ربط معاناة المدينة بمستقبل المشروع الوطني، من خلال التأكيد على أن فك الحصار عنها وإسناد سكانها يجب أن يكونا أولوية لا تقبل المساومة، وأن مسؤولية ذلك تقع على عاتق الدولة والمجتمع والقوى السياسية كافة، في رسالة تتجاوز حدود التضامن إلى استحقاقات الفعل.
ومن هذا المدخل، ينتقل الهجري إلى ربط معاناة المدينة بمسألة أوسع، تتمثل في طبيعة الدولة التي يتطلع إليها اليمنيون، والمرتكزات التي ينبغي أن تقوم عليها، وفي مقدمتها العدالة والمواطنة المتساوية وسيادة الشعب.
وتكتسب هذه الرسالة دلالتها من توقيتها السياسي والوطني، في ظل استمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية، وما يرافقها من ضغوط معيشية وتراجع في الخدمات وتقييد لحركة المدنيين، كما يحضر المقال باعتباره خطابًا سياسيًا يعيد ترتيب الأولويات، ويمنح قضية تعز موقعًا يتجاوز نطاقها الجغرافي إلى فضاء القضية الوطنية العامة.
تعز جوهر المعركة الوطنية
يستند الهجري في بناء رؤيته إلى المكانة التي تحتلها تعز في الذاكرة اليمنية، مستحضرًا إسهامات أبنائها في التعليم والطب والثقافة والمهن المختلفة، ومقدمًا المدينة باعتبارها رافدًا بشريًا ومعرفيًا أسهم في بناء المجتمع اليمني وتطويره.
ويحمل هذا الاستحضار دلالة سياسية تتجاوز الاحتفاء بتاريخ المدينة، إذ يسعى إلى إبراز نموذج اجتماعي يقوم على العلم والعمل والكفاءة، في مقابل ما يصفه الهجري بمنظومة الامتيازات للمشروع الحوثي القائم على النسب والسلالة.
ومن هنا، يربط المقال بين ما تتعرض له تعز وبين طبيعة المشروع الحوثي، معتبرًا أن المدينة بما تمثله من رمزية ثقافية واجتماعية تجسد نقيضًا للمشروع الحوثي، فالصراع لا يتعلق بالسيطرة على الأرض وحدها، وإنما يمتد إلى طبيعة الدولة التي يريدها اليمنيون، والأسس التي تنظم العلاقة بين المواطنين والسلطة.
ويعيد هذا التصور تقديم تعز بوصفها إحدى ساحات الدفاع عن الجمهورية والمواطنة المتساوية، لا مجرد جبهة عسكرية في مواجهة الحوثيين، وهي مقاربة تمنح قضية المدينة بعدًا وطنيًا أوسع، وتجعل من معاناتها مدخلًا للنقاش حول مستقبل الدولة ومرجعياتها السياسية والاجتماعية.
وفي الوقت ذاته، يبرز في المقال الحرص على ربط هذه الرمزية بالواقع الإنساني، فتعز التي قدمت الطبيب والمعلم والأكاديمي والحرفي، هي نفسها المدينة التي تتعرض اليوم للحصار والقصف وسقوط الضحايا، في مفارقة تعزز كلفة الحرب على المجتمع.
معاناة تعز أولوية سياسية
يضع المقال قضية حصار تعز في صدارة المطالب الموجهة إلى الدولة والقوى السياسية، مستحضرًا ما يترتب عليه من معاناة في الوصول إلى المستشفيات والجامعات والأسواق، وما يرافقه من صعوبات في الحصول على الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
ولا يتعامل الهجري مع هذه المعاناة باعتبارها ملفًا إنسانيًا منفصلًا عن الصراع، بل يربطها بمسؤولية الدولة تجاه مواطنيها، وبواجب القوى السياسية في الدفاع عن الحقوق الأساسية، معتبرًا أن فك الحصار عن تعز يجب أن يكون أولوية وطنية لا تقبل المساومة.
وتعكس هذه الدعوة التأكيد على نقل قضية حصار تعز من مستوى التضامن السياسي والإعلامي إلى مستوى الالتزام العملي، بما يجعل التعامل مع الحصار معيارًا لجدية المواقف السياسية المعلنة تجاه المدينة.
وتكتسب هذه الدعوة أهميتها من أن الطرق تمثل شرايين أساسية لحياة السكان، ومرتكزًا لوصول الإمدادات الطبية والغذائية، واستمرار الأنشطة الاقتصادية والتعليمية. ومن ثم، فإن فتحها وتأمين حركة المدنيين لا يمثلان مطلبًا محليًا فحسب، وإنما استحقاقًا يرتبط بحماية السكان وصون حقوقهم.
وتتصل هذه الرسالة أيضًا بالواقع الإنساني الذي تعيشه تعز، فقد أشارت تقارير نشرتها هيومن رايتس ووتش في 26 أكتوبر 2026 إلى مخاطر ناجمة عن أضرار لحقت بطريق هيجة العبد، وتأثيرها على حياة السكان، بينما تناولت تقارير أخرى صعوبات تواجه المستشفيات في الحصول على الوقود والإمدادات الطبية.
كما تبرز هذه التطورات أهمية التعامل مع قضية حصار تعز باعتبارها أولوية مستمرة، تتطلب استجابة إنسانية ومؤسسية متكاملة، إلى جانب الجهود السياسية والأمنية الرامية إلى تخفيف القيود على حركة السكان.
ومع ذلك، فإن الانتقال من المطالبة بفك الحصار إلى تحقيقه يستدعي تحديد مسارات واضحة للتحرك، تشمل الضغط السياسي، وتنسيق الجهود الإنسانية، وتعزيز الخدمات، وحماية المدنيين، بما يضمن ألا تبقى القضية رهينة للتصعيد أو التجاذبات السياسية.
مسؤولية الدولة
ويبرز في المقال انتقال من الإشادة بتضحيات تعز وأبنائها إلى التأكيد على مسؤولية الدولة والمجتمع والقوى السياسية في إسنادها، وهي رسالة تحمل أبعادًا تتجاوز مخاطبة جمهور الحزب إلى مجمل القوى المعنية بمسار استعادة الدولة.
فالهجري لا يحصر الوفاء للمدينة في استحضار تضحيات أبنائها أو الإشادة بصمودهم، وإنما يربطه بفتح الطرق، وإيصال الغذاء والدواء، ودعم المستشفيات والمدارس، وإغاثة السكان، وتحرير ما تبقى من محيط المدينة.
ويؤكد هذا الطرح تحديد معيار عملي للوفاء لتعز، يتمثل في مدى قدرة الأطراف المعنية على ترجمة مواقفها إلى استجابات ملموسة، سواء في تخفيف المعاناة الإنسانية أو تعزيز قدرات المؤسسات أو التعامل مع التحديات الأمنية والعسكرية.
كما يضع المقال القوى المناهضة للحوثيين أمام تحدي توحيد الأولويات، في ظل تعدد الحسابات السياسية والعسكرية وتباين المصالح والتوجهات.
فمعركة استعادة الدولة لا تتطلب فقط الاتفاق على مواجهة الحوثيين، وإنما تستدعي أيضًا تنسيق الجهود، وإدارة الخلافات، وتوجيه الموارد نحو القضايا التي تمس حياة المواطنين وتدعم استقرار المؤسسات.
ويطرح هذا السياق سؤالًا جوهريًا بشأن مدى قدرة القوى الوطنية على جعل فك الحصار عن تعز جزءًا من رؤية متكاملة لاستعادة الدولة، بدلًا من التعامل معه باعتباره ملفًا منفصلًا أو أولوية مرتبطة بظرف سياسي معين.
خطاب إلى القبيلة
ويمثل نداء الهجري إلى أبناء القبائل في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين أحد أبرز أبعاد المقال، لما يحمله من انتقال إلى مخاطبة جمهور يتجاوز القوى السياسية والمكونات المناهضة لمليشيا الحوثي.
فالدعوة إلى عدم الدفع بالأبناء إلى القتال ضد تعز تستند إلى روابط الدين والوطن والتاريخ والمصير المشترك، وتستحضر ما قدمته المدينة من خدمات علمية ومهنية لأبناء مختلف المناطق اليمنية.
ويحاول الأستاذ الهجري، من خلال هذا الخطاب، الفصل بين المجتمعات المحلية وخيارات القيادة الحوثية، معتبرًا أن أبناء القبائل ليسوا مضطرين إلى خوض معارك لا تخدم مصالحهم، وأن خسائر الحرب تقع على الأسر والمجتمعات، بينما تتجه المكاسب إلى القيادات الحوثية.
وتكشف هذه المقاربة عن توجه نحو توسيع المجال الوطني المشترك، عبر التأكيد على أن تعز ليست خصمًا اجتماعيًا أو مناطقيًا، وإنما شريك في الأرض والتاريخ والمصير.
وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من أنها تتجنب، في جوهرها، التعامل مع المجتمعات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين بوصفها كتلة واحدة، وتفتح المجال أمام خطاب يميز بين السكان وخيارات القوى المسيطرة عليهم.
المواطنة المتساوية
تحتل المواطنة المتساوية موقعًا محوريًا في المقال، الذي يقدم تعز باعتبارها مدافعة عن يمن يتسع لجميع أبنائه، ويقوم على العدل والمساواة، ويكون الشعب فيه سيد نفسه.
ويعكس هذا الطرح مرجعية جمهورية واضحة، تربط شرعية الدولة بحقوق المواطنين، وترفض الامتيازات التي تقوم على الانتماء السلالي أو الطائفي.
كما يربط الهجري بين هذه المرجعية وبين الدور الذي أدته تعز في التعليم والثقافة والعمل، مقدمًا المدينة نموذجًا لمجتمع يستمد مكانته من الكفاءة والإنتاج والإسهام الوطني.
ويمنح هذا الخطاب المقال بعدًا سياسيًا يتجاوز إدانة الحوثيين، إذ يطرح في المقابل تصورًا معياريًا للدولة المنشودة، يقوم على المساواة والكرامة والمشاركة.
غير أن اختبار هذا التصور لا يقتصر على رفض التمييز، وإنما يتطلب أيضًا تقديم ضمانات عملية للحقوق والشراكة، ومعالجة المظالم، واحترام التنوع السياسي والاجتماعي، بما في ذلك القضايا المتعلقة بمستقبل الدولة وشكل الحكم.
وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم اليمن الذي يتسع لأبنائه جميعًا أهمية خاصة في ظل تعدد المشاريع والتصورات بشأن مستقبل البلاد، بما فيها المطالب المرتبطة بالقضية الجنوبية وترتيبات الشراكة السياسية.
إجمالا، يؤكد المقال أن صمود تعز ليس شأنًا يخص أبناءها وحدهم، وأن رفع الحصار عنها يمثل استحقاقًا إنسانيًا ووطنيًا، ومحطة في الطريق نحو استعادة الدولة اليمنية على قاعدة الجمهورية والمواطنة المتساوية والشراكة الوطنية.