حين تنتصر العصبية على الوطن… تسقط كل الشعارات
من أخطر ما يصيب الأوطان أن يتقدم الانتماء الضيق على الانتماء الوطني، وأن تصبح العقيدة أو السلالة أو الطائفة أو المنطقة معيارًا لتحديد قيمة الإنسان وحقوقه ومكانته في وطنه.
فالوطن لا يُبنى بعقلية الفرز والإقصاء، ولا تنهض دولة على أكتاف مواطنين يُصنَّفون بحسب أصولهم ومعتقداتهم، ولا يمكن لمن يرى نفسه أعلى من الآخرين أن يؤمن حقًا بالمواطنة المتساوية.
العنصرية ليست مجرد موقف متعالٍ من جماعة تجاه أخرى؛ إنها خلل في فهم الإنسان والوطن والحياة.
تبدأ بالاعتقاد أن هناك من وُلدوا ليستحقوا أكثر من غيرهم، ثم تتحول إلى تمييز في الحقوق والفرص، وتنتهي غالبًا إلى احتكار السلطة والثروة والقرار، وإلى صناعة مجتمع تتنازعه الامتيازات بدل أن تجمعه المواطنة.
أما العقائدية حين تتحول إلى مشروع للهيمنة السياسية، فإنها لا تعود شأنًا إيمانيًا أو قناعة شخصية، بل تصبح وسيلة لفرض الوصاية على المجتمع، ومصادرة حق الناس في الاختيار، وتقسيم المواطنين إلى أصحاب حق في الحكم وآخرين مطلوب منهم الطاعة والتسليم.
وهنا ينبغي أن نفرّق بوضوح بين الإيمان والعصبية؛ فالإيمان لا يتعارض مع احترام الإنسان، والاعتزاز بالمعتقد لا يمنح صاحبه حق الانتقاص من معتقدات الآخرين أو مصادرة حقوقهم.
المشكلة ليست في أن يكون للإنسان دين أو مذهب أو قناعة، بل في أن يجعل منها امتيازًا سياسيًا، أو معيارًا للمواطنة، أو مبررًا للاستعلاء على بقية أبناء وطنه.
فمن لا يقبل المساواة بين أبناء وطنه، لا يستطيع أن يكون ديمقراطيًا بحق؛ ومن لا يعترف بحق الآخرين في الاختلاف، لا يمكنه أن يدّعي احترام الحرية؛ ومن يحتكر الوطن لجماعته، لا يمكنه أن يكون وطنيًا بمعناه الجامع.
الوطنية ليست نشيدًا يُردَّد، ولا علمًا يُرفع، ولا خطابًا يُلقى في المناسبات.
الوطنية موقف يظهر حين تتساوى حقوق الناس، وحين يكون القانون فوق الجميع، وحين لا يُسأل المواطن عن سلالته أو طائفته أو منطقته قبل أن يُعترف بحقه في وطنه.
والإنسانية ليست كلمات عاطفية تُقال عن الرحمة والتسامح، بل سلوك يرفض الظلم حتى حين يقع على الخصم، وينتصر لكرامة الإنسان حتى حين يختلف معه في الرأي والمعتقد والانتماء.
أما الديمقراطية، فلا تستقيم مع عقلية ترى أن السلطة حق موروث، أو تفويض إلهي، أو امتياز لجماعة بعينها.
الديمقراطية تعني أن الشعب مصدر السلطة، وأن التداول السلمي حق، وأن صندوق الاقتراع هو الفيصل، لا السلاح ولا النسب ولا الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة.
ولا تنمية في ظل التمييز؛ لأن التنمية تحتاج إلى دولة توظف الكفاءات دون محاباة، وتوزع الفرص بعدالة، وتوجه مواردها لخدمة المواطنين، لا لخدمة شبكة من الأتباع والمقربين.
ولا خدمات عادلة حين يصبح الولاء للجماعة أهم من حق المواطن، ولا وحدة وطنية حين يشعر جزء من الشعب أنه مواطن من الدرجة الثانية في بلده.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه اليمن ليس اختلاف أبنائها في السياسة أو الفكر أو المذهب؛ فالاختلاف سنة المجتمعات الحية، وإنما الخطر أن يتحول هذا الاختلاف إلى مشروع استعلاء، وأن يُراد لليمن أن يكون ملكًا لفئة، أو سلالة، أو جماعة، أو حزب، بدل أن يكون وطنًا متساويًا لجميع أبنائه.
لقد دفعت اليمن أثمانًا باهظة من دماء أبنائها ومواردها ومستقبل أجيالها بسبب مشاريع لم ترَ في الدولة سوى وسيلة للسيطرة، ولم ترَ في الشعب سوى أتباع أو خصوم. وكل مشروع يضع جماعته فوق الوطن، ويجعل الولاء له مقدمًا على الولاء للدولة، إنما يضع بذور انقسام جديد مهما رفع من شعارات براقة.
وليس معنى ذلك أن كل صاحب عقيدة أو انتماء فكري متهم بالعصبية؛ فالتعدد حق، والانتماء حق، والاختلاف حق. إنما المرفوض أن تتحول القناعة إلى سيف على رقاب الآخرين، وأن تتحول الهوية إلى امتياز، وأن يصبح الوطن ملكية خاصة لمن يزعمون أنهم وحدهم أحق به.
إن الوطن الذي لا يتسع لجميع أبنائه ليس وطنًا جامعًا، والدولة التي تميّز بين مواطنيها ليست دولة عدالة، والمشروع الذي لا يرى الإنسان إلا من خلال انتمائه الضيق لا يحمل مستقبلًا يستحق أن يلتف حوله الناس.
نريد وطنًا لا يُمنح فيه المواطن حقه بفضل نسبه، ولا يُحرم منه بسبب مذهبه، ولا يُقرَّب لأنه تابع، ولا يُقصى لأنه مختلف. نريد جمهورية يكون فيها الدستور مرجع الجميع، والقانون سيد الجميع، والمواطنة حقًا لا منّة، والسلطة مسؤولية لا غنيمة.
فالعنصرية لا تبني وطنًا، والعصبية لا تصنع دولة، واحتكار الحقيقة لا ينتج ديمقراطية، والتمييز لا يحقق تنمية، والإقصاء لا يحفظ وحدة.
من أراد أن يكون وطنيًا بحق، فليبدأ باحترام حق الآخرين في هذا الوطن.
ومن أراد دولة للجميع، فعليه أن يتخلى أولًا عن وهم أن الوطن له وحده.
تلك هي المسافة الفاصلة بين من يؤمن بالوطن، ومن يريد وطنًا على مقاس جماعته.
والتاريخ لا يحفظ الشعارات بقدر ما يحفظ ما فعلته بأوطانها وشعوبها.