الاقتصاد اليمني: تحديات هيكلية وآفاق مستقبلية في ظل الأزمات المتلاحقة

قناة اليمن اليوم 2026/10/31 12:15 1 قراءة وقت القراءة 4 د
الاقتصاد اليمني: تحديات هيكلية وآفاق مستقبلية في ظل الأزمات المتلاحقة

يشهد الاقتصاد اليمني، على مدى اثني عشر عاماً، سلسلة من الصدمات والمنعطفات الحرجة التي أدت إلى انكماش الناتج المحلي، وتراجع الاستثمار، واتساع الاختلالات المالية والنقدية، وتدهور مؤشرات التنمية البشرية، وارتفاع معدلات الفقر، مما يضعه ضمن أشد الاقتصادات هشاشة عالمياً.

على الرغم من عمق الأزمة واستمرارها لأكثر من عقد، حافظت الأسواق المحلية على وظائفها الأساسية، واستمر القطاع الخاص في نشاطه التجاري، مدعوماً بالتحويلات الخارجية التي ساهمت في دعم الطلب المحلي، بالإضافة إلى الدعم السعودي الذي شكل مصدراً رئيسياً للنقد الأجنبي.

لم تكن الحرب والانقسام العوامل الوحيدة وراء تدهور الاقتصاد اليمني، فقد تأثرت البلاد مؤخراً بمتغيرات دولية، أبرزها اضطراب الملاحة البحرية وارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية. وقد ساهم ذلك في زيادة فاتورة الاستيراد واتساع العجز في ميزان المدفوعات.

ويتوقع صندوق النقد الدولي، في تقريره الأخير، استمرار حالة الانكماش للعام الخامس على التوالي، حيث توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 1.5% في عام 2026، متأثراً بتدهور شروط التبادل التجاري المرتبط بالنزاع في الشرق الأوسط، واستمرار نقص الطاقة، وضعف الطلب المحلي. ويعتمد الوضع الخارجي بشكل كبير على التدفقات المستمرة للحوالات المالية ومساعدات المانحين لتمويل فاتورة الواردات، التي تخدم بالأساس الاحتياجات الإنسانية.

ويستند هذا التقييم إلى توقف الصادرات النفطية والغازية منذ أكتوبر 2022، وارتفاع مخاطر الملاحة، والتهديدات التي تحيط بالتجارة الخارجية، بالإضافة إلى استمرار الانقسام المؤسسي وتشتت الموارد العامة. ويُرجح صندوق النقد الدولي بقاء عجز الحساب الجاري عند نحو 3.3% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2026، مع بقاء تغطية الاحتياطيات الدولية دون المستويات الكافية. ويعكس اتساع عجز الحساب الجاري، الذي وصل إلى متوسط 30% من الناتج المحلي خلال الفترة 2015-2024، الاعتماد المتزايد للاقتصاد اليمني على التمويل الخارجي والمنح لتغطية الواردات الأساسية، بالإضافة إلى ضعف الصادرات وانهيار الإنتاج المحلي.

وعلى الرغم من أن التحسينات في الإدارة الضريبية والجمركية، وزيادة الدعم المالي السعودي، يمكن أن تقلص عجز الموازنة، إلا أن ضعف الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الواردات ومحدودية الحصول على التمويل الخارجي تستدعي استمرار تقديم دعم دولي كبير على المدى القريب. ولطالما دعا صندوق النقد الدولي الحكومة اليمنية إلى إصلاح الوعاء الضريبي ورفع كفاءة التحصيل المالي، وهي خطوات مؤقتة تتطلب إصلاحات هيكلية شاملة لزيادة الإنتاجية المحلية وتعزيز الصادرات.

تتمثل إحدى الركائز الأساسية للأزمة الاقتصادية اليمنية في هشاشة المالية العامة، التي تعود جذورها إلى نموذج مالي اتسم بالاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية وضعف تعبئة الموارد المحلية. وبعد عام 2014، أدى توقف جزء كبير من إنتاج وتصدير النفط وانقسام المؤسسات المالية إلى تقلص الإيرادات العامة وزيادة الضغوط على الإنفاق. تاريخياً، ترجع هذه الهشاشة إلى الاعتماد الكبير على النفط، وانخفاض كفاءة النظام الضريبي، ومحدودية الإيرادات غير النفطية.

وفي هذا السياق، وافق صندوق النقد الدولي مطلع أكتوبر الجاري على برنامج لمدة 18 شهراً لخضوع اليمن لمراقبة خبراء الصندوق، بهدف تثبيت السياسات الاقتصادية الكلية وتعزيز الانضباط المالي، وحماية الفئات الأكثر ضعفاً، وتقوية القدرات المؤسسية. ويركز البرنامج على ضبط المالية العامة بقيادة الإيرادات، وتعزيز نزاهة الموازنة والإدارة الضريبية والجمركية.

ورغم أهمية هذه الخطوة لتعزيز الثقة الدولية، إلا أن فرص تنفيذها تظل محدودة في ظل استمرار الاختلالات الهيكلية، وأبرزها اتساع عجز ميزان المدفوعات نتيجة توقف الصادرات النفطية وزيادة الاعتماد على الاستيراد. كما يشكل تشتت الموارد المحلية وبقاء إيرادات عامة رئيسية تحت سيطرة جماعة الحوثي عائقاً استراتيجياً أمام أي إصلاحات اقتصادية. ولا يمكن تجاوز هذه المعضلة إلا بتمكين الحكومة اليمنية من السيطرة الكاملة على مواردها وامتلاك القرار في عمليات التشغيل والإصلاح. وتؤكد الظروف الحالية، بما في ذلك التصعيد العسكري للحوثيين، أن أي إجراءات إصلاحية لن تكون مجدية إلا بعد إزاحة الحوثيين عسكرياً وتمكين الحكومة الشرعية من بسط نفوذها على كافة المناطق اليمنية.

المصدر: قناة اليمن اليوم
قراءة الخبر من موقعه الأصلي