تهديد متزايد لليمن والإقليم.. لماذا يجب حسم المعركة ضد الحوثيين الآن؟

الإصلاح نت 2026/10/31 17:10 5 قراءة وقت القراءة 12 د
تهديد متزايد لليمن والإقليم.. لماذا يجب حسم المعركة ضد الحوثيين الآن؟
  

في استعراض للقوة، كثفت مليشيا الحوثيين مؤخرا من قصفها للمنشآت المدنية وغيرها في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية الشرعية وفي المملكة العربية السعودية، مثل القصف المتكرر لمطار عدن الدولي، وقصف قصر معاشيق (مقر الحكومة الشرعية في العاصمة المؤقتة عدن)، وقصف حفل تخرج لجنود في شبوة، وقصف مطار الريان في حضرموت، وكذلك قصف مطارات ومدن سعودية بشكل شبه يومي، فضلا عن قصف الأحياء المدنية في تعز ومأرب.

تكمن دلالات هذا القصف في أن المليشيا الحوثية تحرص على استهداف المنشآت المدنية نظرا لما لذلك من تداعيات تمس قطاعات كثيرة، فمثلا قصف مطار الرياض يهدد حركة الطيران والسياحة والسفر والاستثمار، وهذا بخلاف استهداف موقع أو هدف عسكري، لأن تداعياته تظل محصورة في نطاقه ولا تؤثر على القطاعات الأخرى.

والرسالة الأهم التي تريد المليشيا الحوثية إيصالها هي أنها قادرة على إيذاء الجميع في الداخل والخارج، وأنها قادرة على قصف أي هدف تختاره، بصرف النظر عن التصدي لذلك القصف وتحجيم أضراره، وهي بذلك تمضي على خطى إيران التي كانت تتعمد قصف المطارات والمنشآت المدنية ومنشآت الطاقة في دول الخليج خلال الحرب الأمريكية والإسرائيلية عليها، بهدف الابتزاز، فالقصف الإيراني هدفه دفع دول الخليج إلى الضغط على واشنطن لوقف هجماتها عليها، بينما القصف الحوثي هدفه دفع السعودية إلى وقف دعمها للسلطة اليمنية الشرعية.

ضرورة التعجيل بالقضاء على الحوثيين

هذا الخطر المتزايد للمليشيا الحوثية الذي يهدد اليمن ودول الجوار، السعودية تحديدا، يأتي نتاجا لتأجيل الحسم العسكري ضد المليشيا مما منحها الوقت الكافي لتهريب الأسلحة النوعية من إيران لتهديد اليمن والمنطقة والملاحة الدولية، وكل تأجيل جديد لمعركة الحسم يعني تعاظم خطر المليشيا المدعومة من إيران مستقبلا، خصوصا أن الدعم الإيراني سيتركز للحوثيين في هذه المرحلة بعد تراجع أذرعها في العراق ولبنان وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، مع بقاء مليشيا الحوثيين كطرف فاعل في المحور الإيراني وبإمكانها تهديد دول الخليج والملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر، لتخفيف الضغط على إيران التي تواجه الحرب والحصار دون إسناد فعلي من بقية وكلائها في المنطقة.

وتكمن أهمية هذه اللحظة لإنجاز الحسم العسكري في استثمار التغير الجوهري في معادلة القوة بعد امتلاك القوات الحكومية طائرات حربية وطائرات مسيرة مما منحها تفوقا تسليحيا على المليشيا الحوثية، كما أن المليشيا تبدو في حالة ضعف، فسيطرتها على المخا وذوباب وبعض مديريات ريف تعز ما تزال هشة ويمكن طردها منها، كما أنها تراجعت في جبهات مأرب والجوف والبيضاء بعد اندلاع مواجهات هناك، فضلا عن الاستنزاف الكبير الذي تعرضت له المليشيا في الجبهات المحيطة بمدينة تعز وفشلها في اقتحام المدينة رغم أنها ألقت بمعظم ثقلها العسكري هناك بغية إنهاء رمزية تعز وما تمثله السيطرة عليها من نصر رمزي كبير نظرا لما تتمتع به تعز من ثقل سياسي وعسكري وسكاني، وتمتعها أيضا بثقل مذهبي وقيادتها لمعركة الوعي ضد التجريف الطائفي للمليشيا الحوثية.

أما تأجيل معركة الحسم، استجابة لضغوط خارجية أو لحسابات خاطئة، فإنه قد يغير المعادلة من خلال منح المليشيا الحوثية الوقت لإعادة بناء ترسانتها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وتطوير وسائلها القتالية، وتجنيد مزيد من المقاتلين، مما يمكنها من تجاوز التفوق النوعي للقوات الحكومية في الوقت الراهن، وحينها ستكون كلفة ترك الخصم يبني قوته أكثر من كلفة الحسم العسكري الآن.

انتفاء مبررات الضغوط الدولية

طوال السنوات الماضية، كانت مبررات عدم حسم المعركة ضد الحوثيين تتمثل في مزاعم الاستجابة للضغوط الدولية حرصا على سلامة المدنيين، وإفساح المجال لجهود السلام، لكن الآن لن تكون هناك ضغوط دولية بعد أن أصبحت مليشيا الحوثيين تهدد أمن المنطقة ومصالح العالم خدمة لإيران.

وفيما يتعلق بأن الضغوط للحيلولة دون الحسم العسكري تهدف إلى حماية أرواح المدنيين، فإن كلفة التهدئة وحالة اللاسلم واللاحرب مع المليشيا الحوثية أكثر من كلفة الحسم العسكري من حيث الأضرار التي تلحق بالمدنيين، بدءا من التضييق على الحريات والانتهاكات المستمرة في السجون السرية، وصولا إلى تزايد أعداد ضحايا القنص والقصف العشوائي على الأحياء السكنية للمدنيين، فضلا عن المحاكمات الهزلية وأحكام الإعدام، واستمرار الجبايات والإتاوات التي أرهقت المواطنين وأدت إلى ارتفاع نسبة الفقر والجوع وانتشار الأمراض.

وبما أن المزاج الشعبي المناهض للحوثيين بلغ ذروته وخصوصا في مناطق سيطرتهم، فإنه يمكن أن يكون عاملا مؤثرا عندما تتراجع قدرة الحوثيين على الصمود في الجبهات، وقد يفتح ذلك المجال أمام انضمام مقاتلين جدد إلى القوات الحكومية، وربما اندلاع انتفاضات محلية تعجل بإنهاء سيطرة المليشيا.

ووفقا لتجارب سابقة، فإن مليشيا الحوثيين تبدو أكثر هشاشة عندما تواجهها جبهات متعددة بجدية وفي وقت متزامن، وإذا تحركت جميع الجبهات باتجاه العاصمة صنعاء فإن قدرة الخطوط الأمامية للمليشيا على الصمود ستتراجع تدريجيا حتى تنهار، وعندما تنهار خطوطها الأمامية فإن دفاعاتها أو خطوطها الخلفية ستنهار بشكل أسرع، لأن المليشيا ستظل تعزز خطوطها الأمامية بأفواج المقاتلين للدفاع عن المدن من خارجها، وبالتالي لن تكون هناك خطوط خلفية قادرة على الصمود عندما تنهار الخطوط الأمامية.

إيران والاستثمار في الحوثيين

مع تراجع دور المحور الإيراني في بلدان أخرى وبقاء مليشيا الحوثيين طرفا فاعلا في اليمن، فإن ذلك سيدفع إيران إلى الاستثمار في الحوثيين ومحاولة إعادة بناء محورها المنهار انطلاقا من شمال غربي اليمن، من خلال تكثيف إمداد الحوثيين بالمال والسلاح والخبراء العسكريين، وربما الدفع بأعداد كبيرة من عناصر مليشياتها الطائفية في العراق ولبنان وسوريا إلى اليمن للقتال في صفوف الحوثيين.

وترجح مراكز الفكر والأبحاث الأمريكية أن إيران ستركز خلال المرحلة المقبلة على إنتاج الصواريخ والطائرات المسيرة بعد خسائرها العسكرية، لأن هذه الأسلحة أقل كلفة وأكثر فاعلية، ويعني ذلك أن إيران ستظل تزود الحوثيين بهذه الأسلحة، وربما تعمل على توطين صناعتها في مناطق سيطرتهم. كما أن الدعم الذي كانت تقدمه إلى مليشياتها في العراق وسوريا ولبنان قبل تراجع محورها، سيتركز حاليا للحوثيين باعتبارهم الطرف المتبقي من محورها الذي ما زال قادرا على خدمتها في واحد من أهم المضائق البحرية.

فحتى وإن تم طرد الحوثيين من باب المندب ومن الساحل الغربي بشكل كامل، فإن بقاء سيطرتهم على عدد من المحافظات تعني أن مضيق باب المندب سيظل تحت سيطرتهم النارية، ولذلك لا يمكن تأمين مضيق باب المندب والملاحة الدولية عبر البحر الأحمر إلا بالقضاء التام على مليشيا الحوثيين واستعادة الدولة.

وعلى الرغم من أن إيران حاليا في أسوأ حالاتها، فإنها ما زالت تواصل دعمها للحوثيين، بخلاف ما كان يُعتقد سابقا بأنها ستركز مواردها للدفاع عن نفسها بعد تعرضها لضربات مدمرة. ولذا لا يمكن التعويل على أن إضعاف إيران سيؤدي في المحصلة إلى إضعاف الحوثيين، فتدفقات الأسلحة ستظل مستمرة بصرف النظر عن وضعها الداخلي.

وفي وقت سابق، تحدثت تقارير إعلامية عن دعم من قوى إقليمية ودولية لمليشيا الحوثيين، ومن المتوقع أن يستمر ذلك الدعم أو تزداد وتيرته بالتنسيق مع إيران، نظرا لتقاطع المصالح معها وأيضا لتصفية حسابات سياسية، فهناك قوى إقليمية معادية للسعودية وترى في دعم الحوثيين وسيلة للانتقام منها، وهناك قوى دولية حليفة لإيران وعلاقتها متوترة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وترى في دعم الحوثيين بالسلاح وغيره وسيلة للانتقام من واشنطن وتعزيز علاقتها مع طهران.

وبشأن الدعم الإيراني للحوثيين بالسلاح، لا شك أنه الآن أبطأ مما لو كانت إيران في وضع مستقر ولا تتعرض لضغوط وضربات وحصار وخسائر، وهو ما يتطلب الإسراع بإنهاء الانقلاب الحوثي قبل حدوث متغيرات تتعلق بأزمة طهران مع المجتمع الدولي، مثل احتمال دخول إيران في تسوية مع الولايات المتحدة الأمريكية وبالتالي معاودتها بناء محورها المنهار انطلاقا من اليمن وتكثيف دعمها للحوثيين بالأسلحة.

وكان الكاتب السعودي عبد الرحمن الراشد قد أكد في مقال له بصحيفة "الشرق الأوسط"، نشر في 10 أكتوبر الجاري بعنوان "لِمَ لا نتعامل مع الحوثي بدلا من محاربته؟"، أن التفاهمات السياسية مع مليشيا الحوثيين، رغم تعدد فرصها وتكرار محاولات استيعاب المليشيا محليا وإقليميا ودوليا، أتاحت لها الاستفادة من التسويات مع الاحتفاظ بسلاحها وبنيتها التنظيمية الموازية. ومن اتفاق السلم والشراكة إلى التفاهمات التي رعتها الرياض ومسقط، يرى الراشد أن الإشكالية تكمن في طبيعة المشروع الحوثي نفسه وليس في نقص الفرص الممنوحة له.

ويبدو الراشد في مقاله وكأنه يلمح إلى أن استمرار الرهان على الحلول السياسية، بعد استنفاد فرص التسوية دون نتائج جوهرية، يفرض إعادة النظر في جدواها، والبحث عن مقاربة تنهي ازدواجية السلطة والسلاح وتعيد للدولة احتكار القرار وحسم المعركة ضد الحوثيين، لأنه حين تتحول التفاهمات إلى فرصة لإعادة ترتيب القوة وتعزيز النفوذ بدلا من إنهاء الصراع، يصبح الحسم خيارا تفرضه حسابات الواقع.

أمن الإقليم ومصالح العالم

وعلى مستوى الإقليم والعالم، فإن القضاء على مليشيا الحوثيين مهم لاستقرار التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ومهم كذلك لأمن السعودية واستقرارها وخطتها التنموية (رؤية 2030)، خصوصا أنه في حال تصاعد التوتر فإن مليشيا الحوثيين لديها صواريخ باليستية إيرانية يصل مداها إلى مختلف أراضي المملكة.

إن بقاء مليشيا الحوثيين كقوة مسيطرة على أجزاء واسعة من اليمن يعني استمرار مشكلة سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز خطوط الجبهات وتتجاوز اليمن إلى الإقليم، ذلك أن الاستقرار الإقليمي عنصر مهم في المشاريع الاقتصادية والاستثمارية الكبرى، أي أن الحوثيين جزء من معادلة المخاطر الإقليمية التي تؤثر في البيئة الاقتصادية السعودية.

كما يمكن أن تتحول مناطق سيطرة الحوثيين إلى مساحة لإعادة تجميع القوة وإعادة بناء القدرات بعد تراجع بقية مكونات المحور الإيراني. وإذا كانت إيران تستثمر في دعم الحوثيين وهي تحت ضغوط عسكرية واقتصادية وسياسية، فكيف يمكن أن يتغير مستوى الدعم إذا انتهت أزمتها مع المجتمع الدولي وعاودت بناء قدراتها العسكرية واستأنفت دعم أذرعها بقوة؟ وإلى أي مدى سيؤثر ذلك على أمن الإقليم مجددا؟

الحل السياسي والرهانات الخاسرة

من الملاحظ أنه كلما اندلعت جولة حرب تتراجع خلالها مليشيا الحوثيين أو تتكبد خسائر فادحة، تتوالى دعوات وقف التصعيد والتهدئة والحل السياسي، على الرغم من فشل جميع المحاولات السابقة منذ عام 2015 وحتى اليوم، بسبب تعنت المليشيا الحوثية ورفضها لكل مبادرات السلام، وعدم قبولها بأي هدنة أو تهدئة إلا إذا كانت إنقاذا لها من هزيمة وشيكة، فتتخذ منها استراحة محارب استعدادا لجولات جديدة من العنف.

ولعل أبرز مثال على ذلك أن المليشيا بدأت بالتصعيد العسكري مؤخرا بالرغم من هدنة أبريل 2022 التي كانت طرفا رئيسيا فيها، كما أنها أشعلت المعارك في الساحل الغربي بالرغم من اتفاقية ستوكهولم في ديسمبر 2018 التي كانت المليشيا طرفا رئيسيا فيها أيضا.

كما أن المليشيا الحوثية اتجهت للتصعيد ضد السعودية بالرغم من الوساطة العمانية التي أفضت إلى حوارات بين الجانبين لأجل التهدئة وبحث مسارات السلام في اليمن، وينطبق الأمر على إيران التي أخلت باتفاقها الشهير مع السعودية برعاية صينية في مارس 2023، حيث عمدت إلى شن هجمات على الأراضي السعودية، ووجهت مليشياتها في اليمن والعراق باستهداف المملكة، مع أن السعودية لم تشارك في الحرب على إيران، ولم تسمح لواشنطن باستخدام أراضيها لتنفيذ هجمات ضد مواقع إيرانية.

والحقيقة أن السعودية كانت رافضة للهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ومع ذلك كانت الهجمات الإيرانية التي طالت أراضيها أكثر من هجمات إيران على الكيان الإسرائيلي والأساطيل والمدمرات الأمريكية في المنطقة، فضلا عن الهجمات التي شنتها على دول الخليج الأخرى والأردن.

إذن الرهان على الحوار والحل السياسي والاتفاقيات يظل رهانا خاسرا كما أثبتت ذلك التجارب السابقة، فالاتفاقيات السياسية أو التهدئات المؤقتة قد تخفض مستوى الصراع مؤقتا، لكنها لا تعالج الأزمة من جذورها، والحل العملي الوحيد هو القضاء على مليشيا الحوثيين واستعادة الدولة اليمنية قبل أن تتغير معادلة الصراع وتصبح مواجهة المليشيا أكثر صعوبة وكلفة في المستقبل.

الخلاصة هي أن القضاء على مليشيا الحوثيين ضرورة لاستعادة الدولة اليمنية وحماية المدنيين من بطش المليشيا، وضرورة لأمن السعودية والإقليم وحماية التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، لا سيما في ظل امتلاك المليشيا قدرات تهدد تلك المصالح.