علي عبدالله صالح… لم يطلب من الناس أن يؤمنوا به، بل ترك أعماله تتحدث عنه
لم يكن الزعيم الشهيد علي عبدالله صالح ممن احتاجوا إلى منابر المساجد ليصنعوا لأنفسهم مكانة، ولا إلى صفحات الكتب ليفرضوا حضورهم، ولا إلى استدعاء الدين أو العرف أو التقاليد ليمنحوا حكمهم قداسة، أو يجعلوا من أنفسهم وصاة على عقول الناس وضمائرهم.
لم يقدّم نفسه باعتباره صاحب حق إلهي، ولم يطلب من اليمنيين أن يمنحوه مكانتهم لمجرد نسب أو عقيدة أو ادعاء تاريخي؛ بل قدّم نفسه رجل دولة، وجعل من العمل والإنجاز والممارسة السياسية ميدانًا لحضوره، ومن المشاريع والمؤسسات والقرارات شواهد على تجربته.
كان يعرف أن مكانة القائد لا تُصنع بالخطب وحدها، وأن التاريخ لا يحتفظ طويلًا بمن يكثرون الحديث عن أنفسهم، بل بمن يتركون وراءهم أثرًا يمكن للناس أن يروه ويلمسوه ويختلفوا حوله ويحاكموه.
وفي عهده، شهد اليمن تحولات ومشروعات كبرى في مجالات الطرق والتعليم والصحة والكهرباء والاتصالات والبنية التحتية، وتوسعت مؤسسات الدولة، وعاش اليمنيون تجربة الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، والتعددية السياسية والحزبية والانتخابات، بما لها من إنجازات وما شاب تجربتها من أخطاء وإخفاقات.
وليس معنى ذلك أن تجربة حكمه كانت بلا أخطاء، أو أن كل ما تحقق كان كاملًا، أو أن النقد لا مكان له؛ فالتجارب السياسية تُقرأ بإنصاف، وتُوزن بإنجازاتها وإخفاقاتها معًا.
لكن الإنصاف يقتضي أيضًا ألا تُمحى المنجزات، وألا يُختزل تاريخ بلد كامل في خطاب الخصومة السياسية.
لقد كان الفارق واضحًا بين من يستمد شرعيته من فكرة التفوق على الآخرين، ومن يستمد مكانته من العمل في واقع الناس.
فالدولة لا تُبنى بادعاء امتلاك الحقيقة، ولا تُدار بتحويل المعتقد إلى سلطة فوق المجتمع، ولا تُصان بإلغاء حق المواطنين في الاختلاف.
الدولة تُبنى بالمؤسسات، ويقوى حضورها بالمواطنة، وتستمد مشروعيتها من الدستور والقانون وإرادة الناس.
ولهذا، فإن قيمة علي عبدالله صالح في ذاكرة أنصاره لا تقوم على أنه كان معصومًا من الخطأ، بل على أنه ارتبط بمرحلة من تاريخ اليمن شهدت قيام مشروعات وتحولات سياسية وتنموية لا يجوز إنكارها أو القفز عليها.
لقد رحل الرجل، لكن الجدل حول تجربته لم يرحل معه؛ لأن الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بمراحل مفصلية من تاريخ أوطانهم لا تنتهي حكايتهم برحيلهم، بل تبدأ مرحلة أخرى من قراءة أعمالهم ومواقفهم وآثارهم.
العظماء لا يحتاجون إلى أن يفرضوا أنفسهم على ذاكرة الناس؛ فالعمل الصادق يترك أثره، والإنجاز يبقى شاهدًا، والتاريخ وحده يملك الكلمة الأخيرة.
وهكذا ينبغي أن نقرأ تجربة علي عبدالله صالح : لا بتقديس الأشخاص، ولا بتصفية الحسابات بعد رحيلهم، بل بميزان التاريخ والوقائع والإنصاف.
فمن أراد أن ينتقده فليقدم حجته، ومن أراد أن ينصفه فليذكر منجزاته، أما أن يُطلب من اليمنيين نسيان مرحلة كاملة، أو أن تُمحى آثارها لمجرد الخلاف مع صاحبها، فذلك ليس قراءة للتاريخ، بل محاولة لمصادرته.
رحل علي عبدالله صالح، وبقيت تجربته صفحةً مفتوحة في تاريخ اليمن؛ لا تُغلقها خطبة، ولا يمحوها خصم، ولا يحسمها مديح.
إنما يحسمها ما أنجزه الرجل، وما أخفق فيه، وما تركه لليمنيين من شواهد وأسئلة ودروس.
فالقادة يرحلون، أما آثارهم فتبقى في حياة الشعوب وذاكرتها.