أدلة متزايدة على برنامج كيماوي تابع للجيش السوداني

قناة اليمن اليوم 2026/11/04 21:25 5 قراءة وقت القراءة 6 د
أدلة متزايدة على برنامج كيماوي تابع للجيش السوداني

تتراكم الأدلة والاتهامات الدولية بشأن تطوير الجيش السوداني برنامجاً سرياً للأسلحة الكيميائية واستخدام ذخائر محملة بالكلور خلال الحرب، في وقت تواصل فيه قيادة الجيش وسلطة بورتسودان الاكتفاء بالنفي ورفض إخضاع الملف لتحقيق فني دولي مستقل يكشف مصير البرنامج والذخائر والمسؤولين عنه.

وفي أحدث تقييم دولي، خلص المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية "IISS"، وهو مركز أبحاث بريطاني مستقل يُعد مرجعاً دولياً بارزاً في قضايا الدفاع والأمن والحد من التسلح، في تحليل نشره في 3 نوفمبر، إلى وجود أدلة معتبرة تعزز صدقية الاتهامات بتطوير الجيش السوداني أسلحة كيميائية واستخدامها.

وأضاف أن الجمع بين المعلومات المسربة والتحقق المستقل والصور والأدلة المفتوحة والتحقيقات الصحفية يمنح اتهامات تطوير الجيش أسلحة كيميائية واستخدامها مصداقية أكبر من الادعاءات السابقة.

1100 قنبلة كيماوي

استند تحليل المعهد إلى المعلومات التي نشرتها صحف ووسائل إعلام أميركية ودولية، بعد حصولها على مواد من جهاز استخبارات في الشرق الأوسط، شملت وثائق وصوراً ومقاطع مصورة ورسائل مرتبطة، وفق التقارير، ببرنامج كيميائي تابع للجيش.

وتشير المعلومات إلى أن البرنامج اعتمد على الكلور، وهو مادة مدنية تُستخدم أساساً في تنقية المياه، لكن إطلاقها بتركيزات مرتفعة بقصد إحداث أذى يجعلها سلاحاً كيميائياً محظوراً بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

وبحسب التقرير، استوردت جهات مرتبطة بالجيش عشرين أسطوانة كلور، قيل إنها تكفي لإنتاج نحو 1100 قنبلة. كما استولت على كميات أخرى من منشآت مدنية، بينها محطات لتنقية المياه كانت منظمات إنسانية قد ساهمت في تزويدها بالكلور.

وتظهر الصور المنشورة، وفق تحليل المعهد، ذخائر في مراحل التجميع داخل منشأة شبيهة بالمستودع. وتضم القنبلة المزعومة حمولة تُقدّر بنحو 15 كيلوغراماً من الكلور، إلى جانب رأس متفجر وكرات معدنية لزيادة أثر الشظايا.

ويرجح التقرير أن إضافة المتفجرات والشظايا لم تكن لتعزيز القدرة على القتل فحسب، بل ربما هدفت أيضاً إلى إخفاء آثار المادة الكيميائية وجعل تحديد سبب الإصابات والوفيات أكثر صعوبة.

300 ذخيرة كيميائية

وفق المعلومات التي راجعها المعهد، بدأ العمل على المشروع في يوليو 2024، وأُجريت اختبارات أولية في منطقة صحراوية خلال الشهر نفسه. وبحلول أكتوبر، يُعتقد أن الجيش كان قد راكم قرابة 300 ذخيرة كيميائية صُممت لإسقاطها من طائرات النقل على مواقع قوات الدعم السريع.

وتركز الاتهامات على حادثتين وقعتا في سبتمبر 2024 قرب مصفاة الجيلي شمالي الخرطوم، عندما كان الجيش يحاول استعادة المنطقة من قوات الدعم السريع.

وأظهرت صور من المواقع أسطوانات كلور متضررة، قيل إنها تحمل مؤشرات تتسق مع إسقاطها من الجو. كما خلصت تحقيقات إعلامية وتقارير أعدها خبراء مستقلون إلى وجود قرائن تستدعي تحقيقاً دولياً في احتمال استخدام الكلور.

لكن إثبات المسؤولية الجنائية يتطلب وصول مفتشين مستقلين إلى المواقع، وجمع عينات بيئية وطبية، وفحص بقايا الذخائر، ومراجعة سجلات الطيران والأوامر العسكرية، وتحديد سلسلة القيادة التي خططت للهجمات وأجازتها ونفذتها.

نفي لا يجيب عن الأسئلة

كرر الجيش وسلطته القائمة في بورتسودان نفيهما تطوير أو استخدام أسلحة كيميائية، وأعلنا التزام السودان باتفاقية الحظر وتشكيل لجنة تحقيق داخلية قالت إنها لم تجد أدلة مادية أو فنية تثبت الاتهامات في المواقع التي فحصتها.

غير أن الولايات المتحدة وجهات دولية عدة اعتبرت أن التحقيق الداخلي لا يشكل بديلاً عن التحقق الدولي المستقل، وطالبت السودان بالإفصاح عن أي منشآت إنتاج وذخائر كيميائية، والسماح لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بالتحقق منها والإشراف على تدميرها.

وتنتظر المنظمة التقرير النهائي للتحقيق السوداني، فيما أكد مديرها العام أن الأمانة الفنية تتابع التقارير المتعلقة بالسودان، ودعا الدول الأطراف إلى تزويدها بأي معلومات ذات صلة.

ويجعل ذلك النفي وحده غير كافٍ؛ فإذا كانت قيادة الجيش واثقة من عدم وجود برنامج محظور، فإن السماح للخبراء الدوليين بالوصول غير المقيد إلى المواقع والمخازن والسجلات هو الطريق الأقصر لإثبات روايتها. أما حصر التحقيق داخل مؤسسات خاضعة للسلطة المتهمة نفسها، فلا يبدد الشكوك ولا يحقق معيار الاستقلال.

العقوبات ربما أوقفت البرنامج

فرضت واشنطن عقوبات على السودان بعد أن خلصت رسمياً إلى استخدام أسلحة كيميائية خلال عام 2024، ثم واصلت الضغط على قيادة الجيش للتعاون مع منظمة الحظر.

ويرجح تحليل المعهد أن العقوبات ربما نجحت في ردع استخدام جديد، مشيراً إلى تقارير أفادت بإغلاق البرنامج بعد الجولة الأولى من الإجراءات الأميركية. لكن وقف الإنتاج المفترض لا يغلق الملف؛ إذ لا يزال مصير الذخائر المتبقية مجهولاً، كما لم يُكشف عن المسؤولين الذين أسسوا البرنامج أو اختاروا الأهداف أو أصدروا أوامر الاستخدام.

ويكتسب الملف حساسية إضافية لأن السودان يشغل مقعداً في المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية حتى مايو 2027. وتمنح هذه العضوية المنظمة أدوات ضغط إضافية، لكنها قد تضر بمصداقيتها إذا بقيت دولة تواجه اتهامات جدية بعدم الامتثال داخل مجلسها التنفيذي من دون تحقيق حاسم.

وسبق أن طالب عدد من الدول السودان بتقديم إيضاحات وفق المادة التاسعة من الاتفاقية، فيما ظلت القضية مدرجة أمام المجلس. كما لوحت واشنطن بإعادة النظر في مقعد السودان إذا لم يُعالج الملف سريعاً وبصورة مرضية.

الحقيقة لا تُدفن بالنفي

ينقل تحليل المعهد ملف "كيماوي الجيش" إلى مرحلة أكثر خطورة؛ فلم تعد القضية اتهاماً سياسياً منفرداً، بل شبكة من الوثائق والصور والشهادات والتحقيقات والعقوبات والمطالبات الدولية بالتحقق.

ولا تثبت هذه المواد وحدها المسؤولية الجنائية النهائية، لكنها تكفي لفرض تحقيق مستقل وفتح المنشآت والمخازن والسجلات أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

وإذا ثبت أن قيادة الجيش قد طورت ذخائر كلور واستخدمتها ضد مناطق سودانية، فإن الأمر يمثل انتهاكاً بالغ الخطورة واتخاذاً لأراضي البلاد وسكانها ميداناً لتجربة سلاح محظور. وإذا كانت تنفي ذلك، فعليها تقديم الأدلة لا البيانات.

وحتى يحدث ذلك، ستبقى سلطة بورتسودان مطالبة بالإجابة عن ثلاثة أسئلة لا يسقطها الإنكار: أين ذهبت الذخائر المزعومة؟ من أنشأ البرنامج؟ ومن أصدر أوامر الاستخدام؟ فجرائم السلاح الكيميائي لا تسقط بالصمت، والنفي لا يمحو الأدلة، والتحقيق الداخلي لا يعفي قيادة الجيش من تفتيش دولي مستقل ومساءلة كاملة.

المصدر: قناة اليمن اليوم
قراءة الخبر من موقعه الأصلي