تعز تحت النار والحصار.. آلاف الانتهاكات ومئات الضحايا وموجات نزوح متصاعدة

الإصلاح نت 2026/11/07 23:15 4 قراءة وقت القراءة 16 د
تعز تحت النار والحصار.. آلاف الانتهاكات ومئات الضحايا وموجات نزوح متصاعدة
 

تعيش محافظة تعز واحدة من أكثر مراحلها دموية وإنسانية وقسوة، في ظل تصعيد عسكري متواصل تشنه المليشيا الحوثية الإرهابية، التي أعادت فتح جبهات القتال على نطاق واسع، مستهدفة الأحياء السكنية والقرى والمنشآت المدنية، بالتزامن مع تشديد الحصار وقطع الطرق الرئيسية التي تربط المحافظة بمحيطها الجغرافي.

ويكشف تقريران حقوقيان حديثان عن حجم الانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها المليشيا الحوثية بحق المدنيين والأعيان المدنية في المحافظة خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2026، في سياق هجمات عسكرية ومحاولات للسيطرة على مناطق الريف الجنوبي والغربي والجنوبي الشرقي، رافقتها عمليات قصف واقتحام ومداهمة ونهب للممتلكات العامة والخاصة.

وقد وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، في تقريرها «تعز.. بين القتل والحصار»، ارتكاب المليشيا الحوثية لـ2264 انتهاكًا خلال الفترة من الأول من سبتمبر وحتى 29 أكتوبر 2026، فيما أعلن مركز تعز الحقوقي، خلال مؤتمر صحفي عقده الخميس 5 نوفمبر، توثيق 1444 انتهاكًا خلال شهر أكتوبر وحده، في تقرير حمل عنوان «تعز تحت النار والحصار».

وتكشف الحصيلتان عن تصاعد خطير في الاعتداءات الحوثية، واتساع دائرة الاستهداف لتشمل مختلف مديريات المحافظة، في ظل استمرار المواجهات وتشديد القيود على حركة السكان والإمدادات الإنسانية.

فقد أطلقت المليشيا الحوثية -وفق تقرير الشبكة اليمنية للحقوق والحريات- نحو 12761 مقذوفًا وقذيفة، شملت قذائف الهاون والهوزر والمدفعية وصواريخ الكاتيوشا والطائرات المسيّرة، إلى جانب عشرات الصواريخ الباليستية التي استهدفت مناطق مأهولة بالسكان.

وتوزعت الاعتداءات على مناطق الشقب والمسراخ والأقروض، وقرى كحلان والنجادة والرهن والجنهبي وحصان والعاوات في صبر الموادم، وأحياء المسبح وصينة وبيرباشا وعصيفرة وحارة الدار والمطار القديم، والضبة في التعزية والظهر في جبل حبشي، فضلًا عن الحجرية وسامع والتربة ومناطق شمال المدينة وغربها وشرقها.

وفيما وثق مركز تعز الحقوقي الانتهاكات في 14 مديرية خلال أكتوبر، أشار إلى أن الهجمات ترافقت مع حملات اقتحام مسلحة وعمليات نهب للممتلكات والمرافق الخدمية، في محاولة لفرض السيطرة على مناطق جديدة وإخضاع السكان بالقوة.

وتعكس هذه الوقائع اتساع رقعة المواجهة الحوثية مع المجتمع المدني، وتحول الأحياء والقرى والطرق والمنشآت الخدمية إلى أهداف معرضة للقصف والتعطيل، بما يفاقم معاناة السكان ويقوض قدرتهم على الصمود.

 

حصيلة الدم واستهداف المدنيين

وقد وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات مقتل 189 مدنيًا خلال الفترة من الأول من سبتمبر وحتى 29 أكتوبر، بينهم 38 طفلًا، من ضمنهم تسعة أطفال رضع، و27 امرأة، جراء القصف العشوائي والقنص المباشر والألغام الأرضية، فيما أصيب 281 مدنيًا، بينهم 29 طفلًا و46 امرأة، كما سجل التقرير الاعتداء بالضرب على 134 شخصًا، بينهم 37 طفلًا و31 امرأة و 16 مسنًا، في انتهاكات طالت الفئات الأكثر ضعفًا، وألحقت أضرارًا جسدية ونفسية واسعة بالأسر والمجتمعات المحلية.

وفي حصيلة منفصلة لشهر أكتوبر، أعلن مركز تعز الحقوقي مقتل 54 مدنيًا، بينهم 19 طفلًا و13 امرأة، وإصابة 147 آخرين، بينهم 49 طفلًا و42 امرأة، إلى جانب اختطاف 166 مدنيًا.

وتُظهر هذه الأرقام أن الأطفال والنساء شكلوا نسبة واسعة من ضحايا الانتهاكات خلال أكتوبر، إذ بلغ عددهم 32 من إجمالي القتلى و91 من إجمالي المصابين، وفق حصيلة المركز، بما يعكس حجم المخاطر التي تحيط بالأسر داخل المنازل وفي أماكن الحركة اليومية.

ولم تتوقف الجرائم عند القصف والقنص، إذ وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 23 جريمة تصفية ميدانية استهدفت جرحى وعسكريين، نُفذت بعض الوقائع أمام أطفال الضحايا وزوجاتهم، كما رصدت خمس مجازر جماعية في مناطق مأهولة بالسكان، من بينها صينة ومصنع الإسفنج والهنجر وصبر.

وتكشف هذه الوقائع عن نمط بالغ الخطورة من الانتهاكات، يتجاوز حدود المواجهات العسكرية إلى استهداف المدنيين وإرهاب المجتمع، في ظل استمرار القصف العشوائي والاعتداءات المباشرة على السكان.

ويشير التقرير إلى أن القصف المتكرر والقنص وترويع الأهالي خلّفت آثارًا نفسية قاسية، خصوصًا لدى الأطفال والنساء وكبار السن، الذين يعيشون في بيئة تتزايد فيها احتمالات فقدان الحياة والمأوى ومصادر العيش.

وتؤكد الحصائل الحقوقية أن ما يجري في تعز ليس مجرد أزمة أمنية عابرة، بل كارثة إنسانية وجرائم ممنهجة تتسع يومًا بعد آخر، وتستدعي تحركًا عاجلًا لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإنهاء حالة الإفلات من العقاب التي شجعت المليشيا على مواصلة انتهاكاتها.

 

الاختطاف والترويع وتدمير المنازل

وإلى جانب القصف والقتل، اتخذت المليشيا الحوثية من الاختطاف والإخفاء القسري والمداهمات وسيلة لإرهاب المجتمع وإخضاع السكان، في نمط من الانتهاكات يستهدف المدنيين على خلفية الاشتباه بمواقفهم أو ارتباطاتهم بالقوات الحكومية والمقاومة الشعبية.

وقد رصد تقرير الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 324 حالة اختطاف وإخفاء قسري، شملت 14 طفلًا قالت الشبكة إنهم احتُجزوا رهائن للضغط على ذويهم وتسليم أنفسهم، إضافة إلى ثلاث نساء و25 مسنًا، فيما نُقل عدد من المختطفين إلى محافظات إب وذمار وصنعاء، بعيدًا عن أسرهم ومناطقهم.

وفي أكتوبر وحده وثق مركز تعز الحقوقي اختطاف 166 مدنيًا، ضمن حصيلة الانتهاكات التي رصدها في مديريات المحافظة، في ظل استمرار حملات الاقتحام والمداهمة المسلحة، كما وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات مداهمة 521 منزلًا بحثًا عن أشخاص يُعتقد أنهم يشاركون مع القوات الحكومية، واقتحام وتفتيش 81 منزلًا والعبث بمحتوياتها وترويع سكانها، بمن فيهم النساء والأطفال.

وفي حصيلة مركز تعز الحقوقي لشهر أكتوبر، جرى توثيق مداهمة ونهب 374 منزلًا، وتدمير تسعة منازل كليًا و255 منزلًا جزئيًا، في أرقام تعكس حجم الاعتداءات التي طالت المساكن والممتلكات الخاصة.

كما وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات تضرر 356 منزلًا جراء القصف، بينها 98 منزلًا تضررت كليًا، إضافة إلى تفجير أربعة منازل، وتضرر 151 مركبة مدنية، ونهب 36 مركبة ووسيلة نقل خاصة بالمواطنين، ولم تسلم المنازل التي اضطر أصحابها إلى النزوح من الانتهاكات، إذ رصد التقرير نهب أثاث عدد منها والاستيلاء على منازل أخرى، في ممارسات تضاعف معاناة الأسر التي فقدت الأمن والاستقرار ومصادر العيش.

وتكشف هذه الوقائع عن سياسة تستهدف البيئة الاجتماعية الحاضنة للدولة والشرعية، عبر ترويع السكان وتهجيرهم وتدمير ممتلكاتهم، بما يفتح المجال أمام المليشيا لتوسيع نفوذها بالقوة وإحلال سلطة الأمر الواقع محل مؤسسات الدولة والقانون.

وتظل جريمة احتجاز الأطفال رهائن، وتصفية الجرحى، ومداهمة المنازل، من أكثر الوقائع التي تستوجب مساءلة قانونية عاجلة، باعتبارها انتهاكات تمس جوهر الحماية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني للمدنيين.

 

استهداف التعليم والصحة ودور العبادة

ولم تسلم المؤسسات التعليمية والصحية ودور العبادة من التصعيد الحوثي، إذ وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات اقتحام 23 مدرسة وتحويلها إلى ثكنات عسكرية ومراكز قيادة وسيطرة، بما يعرض الطلاب والمعلمين للخطر، ويحول المؤسسات المدنية إلى مواقع مرتبطة بالعمليات العسكرية، فيما امتدت الانتهاكات إلى الحرم الجامعي لفرع جامعة تعز في مدينة التربة، حيث اقتحمت المليشيا الجامعة واختطفت عددًا من الطلاب من قاعاتهم الدراسية ومحيط كلياتهم، في اعتداء يضرب حق التعليم ويقوض حرمة المؤسسات الأكاديمية.

وفي تقريره الخاص بشهر أكتوبر، وثق مركز تعز الحقوقي الأضرار بواقعة 119 مرفقًا تعليميًا، بينها جامعة التربة والمعهد الصحي، بما يعكس اتساع دائرة الاعتداءات على المؤسسات التعليمية في المحافظة، كما أدى التصعيد إلى إغلاق كلي للمدارس والجامعات، وحرمان مئات الآلاف من الطلاب من مواصلة تعليمهم، في وقت يعاني فيه اليمن أصلًا من أزمة تعليمية واسعة، ويواجه فيه الأطفال مخاطر التسرب والاستغلال والتجنيد.

وفي القطاع الصحي، وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات استهداف ثلاثة مرافق صحية ومستشفيات، وقصف مصنع الإسفنج في حارة الدار، واستهداف خمس سيارات إسعاف، ومقتل سبعة من أفراد الطواقم الطبية، فضلًا عن إغلاق نحو 23 مركزًا تجاريًا وخمسة مرافق صحية.

أما مركز تعز الحقوقي فقد وثق الأضرار بـ131 مرفقًا صحيًا خلال أكتوبر، وذكر أن المليشيا دمرت 11 منها واستولت على 120 مرفقًا آخر، في انتهاك يهدد استمرار الخدمات الطبية ويضاعف معاناة المرضى، كما وثقت الشبكة نهب أكثر من 15 سيارة إسعاف وتحويلها إلى أطقم عسكرية لنقل الذخائر والأسلحة، وتحويل منشآت مدنية إلى ثكنات عسكرية في الحجرية وسامع وجبل حبشي، بينما امتدت الاعتداءات إلى دور العبادة، حيث رصد التقرير اقتحام مركز أم المؤمنين خديجة لتحفيظ القرآن الكريم في مسجد النور بمديرية موزع، وإغلاق جمعية الأقصى ونهب محتوياتها في التربة، وتضرر سبعة مساجد ودور عبادة بالقصف، ومداهمة مساجد وتغيير 21 خطيبًا وإمامًا، والاستيلاء على 35 مقرًا حكوميًا.

وفي تقرير أكتوبر، أشار مركز تعز الحقوقي إلى الإضرار بـ190 مسجدًا، بما يعكس حجم الاعتداءات التي طالت المؤسسات الدينية والمجتمعية.

وتتفاقم الأزمة الصحية مع نقص الوقود والأدوية والأكسجين، إذ يواجه 12 مستشفى خطر تعطل الخدمات التي يقدمونها للمرضى، مع اقتراب نفاد 115 صنفًا دوائيًا أساسيًا، وتهديد خدمات الغسيل الكلوي والعناية المركزة وحاضنات المواليد، كما أشار التقرير إلى توقف خدمات التحصين والتغذية في عشرات المرافق، وفقدان نحو 247 ألف شخص إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية، وتضرر 345 مرفقًا صحيًا في المحافظة.

 

الحصار وتجويع السكان

ومنذ الثالث من سبتمبر الماضي، شددت المليشيا الحوثية حصارها على تعز، واستحدثت 26 نقطة وحاجز تفتيش خارج إطار القانون، وفجرت عبّارة في طريق هيجة العبد، وقطعت الطريق الرئيسي الرابط بين تعز ولحج وصولًا إلى العاصمة المؤقتة عدن، إلى جانب طرق عامة أخرى.

ولم يقتصر الحصار على تقييد حركة المواطنين، بل امتد إلى منع دخول الغذاء والدواء والمشتقات النفطية وأسطوانات الأكسجين ومياه الشرب، وعرقلة الإمدادات التجارية وقوافل الإغاثة المحلية والدولية.

ورصد تقرير الشبكة اليمنية للحقوق والحريات منع وصول الدقيق والأرز والسكر والخضروات والفواكه وأدوية الأمراض المزمنة ولقاحات الأطفال، إلى جانب منع صهاريج مياه الشرب من الوصول إلى السكان، بما عرض نحو مليوني نسمة لشح المياه أو اللجوء إلى مصادر ملوثة.

وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار بعض السلع إلى الضعفين في السوق السوداء، فيما تجاوزت أسعار أصناف أخرى، خصوصًا الخضروات والفواكه، ثلاثة أضعاف، مع اختفاء مواد أساسية وتراجع القدرة الشرائية للأسر.

وأشار التقرير إلى استفادة شبكات مرتبطة بالمليشيا من السوق السوداء، في وقت تتسع فيه دائرة الحرمان وتتراجع قدرة المواطنين على تأمين احتياجاتهم اليومية، كما تسبب الحصار في توقف عشرات الآلاف عن العمل وانقطاع مصادر دخلهم، وتعطل مضخات الري بسبب نقص الوقود، وتوقف بعض مراكز الصرافة عن التحويل والاستلام نتيجة شح السيولة.

وفي السياق ذاته أشار مركز تعز الحقوقي إلى أن الاعتداءات على المنازل والمرافق الخدمية، بالتزامن مع الحصار، قوضت قدرة السكان على البقاء في مناطقهم، وحرمت الأسر من المأوى والتعليم والرعاية الصحية، وعمقت مخاطر النزوح والتشريد القسري، فيما تتضاعف خطورة هذه الإجراءات مع استمرار القصف والنزوح، إذ يجد السكان أنفسهم أمام معادلة قاسية: منازل مهددة، وطرق مغلقة، وأسعار مرتفعة، وخدمات متراجعة، ومصادر دخل تتلاشى.

ويحذر التقرير من أن منع الوقود اللازم لتشغيل مولدات المستشفيات، بما فيها مراكز علاج السرطان وغسيل الكلى، يهدد حياة المرضى، ويحول الحصار إلى عامل مباشر في تعميق الأزمة الصحية والإنسانية.

 

النزوح واتساع الكارثة الإنسانية

وقد أفضى التصعيد العسكري الحوثي إلى موجة نزوح واسعة، دفعت مئات الآلاف من اليمنيين إلى مغادرة منازلهم بحثًا عن الأمان، في واحدة من أكبر موجات النزوح التي شهدتها البلاد منذ سنوات، وأكد تقرير الشبكة اليمنية أن التصعيد في تعز أدى إلى نزوح نحو 280 ألف شخص من المحافظة، هربًا من القصف وبطش المليشيا الحوثية، في ظل استمرار تعذر الوصول إلى بعض المناطق والضحايا بسبب القتال والقيود الميدانية.

وتعزز هذه الصورة أحدث بيانات منظمة الهجرة الدولية، التي كشفت في تحديثها الخاص بالفترة من 25 إلى 31 أكتوبر 2026 عن نزوح 13,764 شخصًا، يمثلون 2,294 أسرة، خلال أسبوع واحد فقط، وسجلت تعز وحدها 1,183 أسرة نازحة، فيما غادرت 1,624 أسرة مواقعها الأصلية داخل المحافظة أو منها إلى مناطق أخرى، خصوصًا مديريات المسراخ وجبل حبشي والشمايتين، فبحسب بيانات المنظمة بلغ إجمالي الأشخاص الذين تعرضوا للنزوح مرة واحدة على الأقل منذ بداية العام وحتى 31 أكتوبر نحو 319,356 شخصًا، يمثلون 53,226 أسرة.

وتشير بيانات المنظمة الخاصة بالتصعيد على الساحل الغربي إلى أن عدد النازحين منذ يونيو وحتى 31 أكتوبر اقترب من 300 ألف شخص، فيما تركزت موجات النزوح بصورة كبيرة في تعز ولحج وعدن، مع استمرار انتقال الأسر بين مناطق المحافظة نفسها.

وتكشف هذه الأرقام عن أزمة تتجاوز مجرد الانتقال من منطقة إلى أخرى، إذ يواجه النازحون نقصًا في المأوى والغذاء والمياه والرعاية الصحية، ويضطر كثير منهم إلى النزوح المتكرر مع انتقال المواجهات إلى مناطق جديدة، كما يواجه الأطفال مخاطر الانقطاع عن التعليم، فيما تتحمل النساء وكبار السن والمرضى أعباء مضاعفة في ظل ضعف الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة.

 

تحرك حقوقي ومطالب بالمحاسبة

وتتجاوز تداعيات التصعيد في تعز حدود المحافظة، لتضع اليمن أمام أزمة إنسانية متفاقمة، في ظل استمرار القتال وتقييد حركة المدنيين وتعطيل طرق الإمداد، وتراجع قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى المحتاجين. ففي 23 أكتوبر 2026، حذرت وكالات الأمم المتحدة، بينها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية واليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي، من تعذر وصول المساعدات إلى سكان مدينة تعز المحاصرين، بعد انقطاع الطرق الرئيسية وتعطل دخول الوقود والغذاء والإمدادات الأساسية لأسابيع.

وأشار التحذير الأممي إلى أن أكثر من 800 ألف شخص في تعز انقطعت عنهم المساعدات، فيما أصبحت حركة المدنيين من المدينة وإليها شديدة الصعوبة، مع استمرار القتال على الطرق الرئيسية، كما أشار تحديث اليونيسف الصادر في 11 أكتوبر إلى نزوح أكثر من 200 ألف شخص، بينهم نحو 110 آلاف طفل، خلال الفترة من 3 سبتمبر إلى 10 أكتوبر، فيما كانت 98 منشأة صحية في تعز تعمل جزئيًا أو خارج الخدمة.

وفي تطور إنساني بالغ الأهمية، وصلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الرابع من نوفمبر إلى مدينة تعز بأربع شاحنات محملة بإمدادات طبية أساسية، بينها مستلزمات جراحية، بعد تعطل الوصول الإنساني لأسابيع بسبب تجدد القتال وإغلاق الطرق.

وأكدت اللجنة أن هذه الإمدادات تمثل دعمًا حيويًا للمرافق الصحية التي تواجه ضغطًا شديدًا، في وقت لا يزال فيه وصول الغذاء والمياه والوقود والمستلزمات الطبية محدودًا، وتحتاج فيه عمليات الإغاثة إلى ضمانات مستدامة للوصول الآمن.

وبحسب رئيس المركز مازن عقلان فإن وراء كل رقم إنسان فقد حياته، أو أسرة أصيب أحد أفرادها، أو منزل فقد أصحابه الأمان داخله، مؤكدًا أن مسؤولية المركز تتمثل في نقل معاناة الضحايا بتوثيق دقيق يحفظ الوقائع ويدعم حقهم في الإنصاف والمساءلة.

وطالب المركز المليشيا الحوثية بالوقف الفوري وغير المشروط للهجمات على المدنيين والأعيان المدنية، ورفع الحصار وفتح الطرق والمعابر الرئيسية، والإفراج عن المحتجزين تعسفيًا، والكشف عن مصير المخفيين قسريًا، وإخلاء المنشآت التعليمية والطبية ودور العبادة من الاستخدامات العسكرية، وإعادة الممتلكات المنهوبة.

كما دعا إلى تسليم خرائط حقول الألغام والعبوات المتفجرة، وتأمين المناطق الملوثة بها، ودعم جهود نزع الألغام ومخلفات الحرب، وحماية المدنيين وفرق العمل الميدانية.

من جهتها، طالبت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات المجتمع الدولي والأمم المتحدة بإعلان تعز مدينة منكوبة، والتحرك العاجل لوقف الاعتداءات ورفع الحصار وتأمين وصول المساعدات، وضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب.

وتؤكد التقارير الحقوقية أن استهداف المدنيين والأعيان المدنية والطواقم الطبية، والتجويع والعقاب الجماعي وتجنيد الأطفال، تمثل انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفقًا للقانون الدولي.

وتبقى تعز أمام اختبار إنساني وسياسي حاسم: إما تحرك دولي يوقف آلة القتل والحصار ويعيد فتح الطرق ويحمي المدنيين، أو استمرار الانهيار الذي يدفع ثمنه ملايين اليمنيين، بينما تتسع دائرة النزوح والجوع والمرض، وتتراجع فرص الحياة الآمنة في واحدة من أكثر المحافظات اليمنية صمودًا في وجه الانقلاب والحرب.