الحوثي وباب المندب.. حين تتحول الجغرافيا اليمنية إلى ورقة إيرانية
لم تعد التحركات العسكرية لمليشيا الحوثي على الساحل الغربي وتحديدًا بالقرب من مضيق باب المندب شأناً مرتبطاً بمسار الحرب الداخلية فحسب، بل باتت تثير مخاوف من اتساع نطاق التهديدات لتشمل أمن الملاحة الدولية، وتداخل الصراع اليمني مع حسابات النفوذ الإقليمي، في ظل تنامي الحديث عن علاقات الجماعة بإيران وشبكات مسلحة في منطقة القرن الأفريقي.
وتكتسب هذه التطورات أهميتها من الموقع الإستراتيجي لليمن المطل على البحر الأحمر وخليج عدن، وإشرافه على مضيق باب المندب الذي يمثل ممراً حيوياً لحركة التجارة العالمية، حيث يمنح هذا الموقع أي طرف يمتلك القدرة على التأثير في الملاحة البحرية أوراق ضغط تتجاوز حدود اليمن، لكنه يضع البلاد، في المقابل، أمام مخاطر تحول سواحلها وممراتها البحرية إلى ساحات مواجهة مفتوحة تخدم حسابات إقليمية متشابكة.
ومع تصاعد التحذيرات اليمنية من التحركات الحوثية، وظهور تقارير بحثية وأممية تتحدث عن علاقات متنامية بين الجماعة وأطراف مسلحة في القرن الأفريقي، تتزايد التساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي يؤديه الحوثيون في الحسابات الإيرانية، ومدى تحول الجغرافيا اليمنية إلى أداة للضغط في الصراع الإقليمي، وما إذا كانت هذه التحركات تمثل مكاسب إستراتيجية مستدامة أم أنها تدفع البلاد نحو مزيد من العزلة والتصعيد.
أهداف التحركات العسكرية
أعادت سيطرة مليشيا على مواقع في باب المندب والمخا مطلع سبتمبر الماضي تسليط الضوء على الأهمية الأستراتيجية للساحل الغربي في حسابات المليشيا، ويثير هذا التطور تساؤلات بشأن أهداف التحركات العسكرية وانعكاساتها على التوازنات الميدانية، فضلاً عن تداعياتها المحتملة على أمن الممر البحري الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.
ولا تنحصر أهمية هذه السيطرة في المكاسب العسكرية وحدها، بل تتصل بما قد تمنح المليشيا من قدرة على التأثير في بيئة الملاحة البحرية، خصوصاً في ظل سجل الهجمات والتهديدات التي طالت السفن في البحر الأحمر؛ فالموقع الجغرافي القريب من الممرات البحرية الحيوية يضفي على التطورات في الساحل الغربي أبعاداً تتجاوز خطوط المواجهة المحلية، ويربطها بحسابات الأمن الإقليمي والدولي.
وقد حذرت الحكومة اليمنية من أن اتساع نفوذ الحوثيين على الساحل الغربي وبالقرب من باب المندب لا يمثل تهديداً لليمن وحده، بل يمتد إلى أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية، وهي التحذيرات التي تعكس مخاوف من أن يؤدي استمرار سيطرة الحوثيين على مناطق إستراتيجية إلى تعزيز قدرتهم على توظيف الموقع الجغرافي ورقة ضغط في مواجهة خصومهم، أو ضمن حسابات أوسع مرتبطة بالتنافس الإقليمي.
ويرى مراقبون أن المكاسب العسكرية في المناطق الساحلية لا يمكن تقييمها بمعزل عن طبيعة الاستخدام المحتمل لها، ومدى ارتباطها بالقدرة على تهديد خطوط التجارة الدولية؛ فالأهمية الإستراتيجية لباب المندب لا تنبع من مساحته الجغرافية، بل من موقعه ضمن شبكة الممرات البحرية التي تمر عبرها السلع والطاقة، الأمر الذي يجعل أي اضطراب فيه ذا انعكاسات اقتصادية وأمنية تتجاوز المنطقة.
إيران والحوثيون.. نفوذ يتجاوز حدود اليمن
وتتصل التحركات الحوثية في البحر الأحمر بالعلاقة التي تربط المليشيا بإيران، التي وفرت لها دعماً عسكرياً وتقنياً أسهم في تطوير قدراتها خلال سنوات الحرب.
ويرى مراقبون أن هذا الارتباط أتاح لطهران مجالاً أوسع للتأثير في واحدة من أكثر المناطق حساسية من الناحية الإستراتيجية، مستفيدة من الموقع الجغرافي لليمن وقربه من طرق التجارة الدولية ومضيق باب المندب.
وتمنح هذه الجغرافيا إيران، فرصة للاستفادة من وجود حليف مسلح قادر على تهديد المصالح البحرية في منطقة بعيدة عن حدودها المباشرة، وهو ما يوسع نطاق الضغوط الإقليمية، بحيث لا تقتصر المخاطر على المواجهة في الخليج أو مضيق هرمز، بل تمتد إلى البحر الأحمر وخليج عدن، بما يزيد من تعقيد حسابات الأطراف الدولية المعنية بأمن الملاحة.
ويعكس تحرك الحوثيين في باب المندب والبحر الأحمر، ارتباط أجندة المليشيا بالمصالح الإيرانية، إذ يُنظر إلى التصعيد في هذه المنطقة بوصفه إحدى الأدوات التي يمكن لطهران الاستفادة منها لتخفيف الضغوط التي تواجهها، وتوسيع نطاق المواجهة إلى ممرات بحرية ذات أهمية إستراتيجية دولية.
وفي هذا السياق، لا تبدو العلاقة بين الطرفين مجرد تقاطع عابر للمصالح، بل ارتباطاً يتجلى في الدعم العسكري والتقني الإيراني للحوثيين، وفي قدرة المليشيا على توظيف موقع اليمن الجغرافي بما يخدم حسابات إقليمية تتجاوز حدود البلاد.
ويعزز ذلك المخاوف من استخدام البحر الأحمر وباب المندب ورقة ضغط ضمن الصراع الأوسع المرتبط بإيران، بما يضع أمن الملاحة الدولية واليمن نفسه أمام تداعيات تصعيد لا تنحصر آثاره في الساحة المحلية.
كما تكمن الخطورة في أن توظيف الجماعات المسلحة ضمن صراعات النفوذ الإقليمي قد يحقق للأطراف الداعمة مكاسب تكتيكية، لكنه يفتح في الوقت نفسه الباب أمام تصعيد يصعب احتواؤه.
فكلما اتسعت دائرة التهديدات للملاحة البحرية، ازدادت احتمالات التدخل والضغط الدولي، وارتفعت الكلفة السياسية والأمنية على اليمن، الذي يجد نفسه في قلب صراع تتجاوز حساباته مصالحه الوطنية المباشرة.
من هرمز إلى باب المندب
لا تنفصل أهمية باب المندب عن موقع مضيق هرمز في الحسابات الإيرانية والإقليمية؛ فالأول يمثل ممراً رئيسياً لحركة التجارة بين البحر الأحمر وخليج عدن، فيما يرتبط الثاني بصورة مباشرة بتدفقات النفط والطاقة عبر الخليج.
ويمنح وجود تهديدات في محيط الممرين معاً الصراع الإقليمي أبعاداً إضافية، في ظل ارتباط أمن الملاحة باستقرار الأسواق وسلاسل الإمداد الدولية.
ويرى مراقبون أن تزامن الضغوط في البحر الأحمر والخليج يمكن أن يوسّع هامش المناورة السياسية أمام طهران، خصوصاً في أوقات التوتر مع الولايات المتحدة، فبدلاً من حصر المواجهة في نطاق جغرافي واحد، تصبح الممرات البحرية المختلفة جزءاً من معادلة أوسع تتداخل فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية.
وتثير هذه المعادلة مخاوف من أن تؤدي أي تفاهمات تقتصر على ملف دون آخر إلى استمرار التهديدات في مناطق مختلفة، فمعالجة التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، على سبيل المثال، لا تعني بالضرورة انتهاء المخاطر في البحر الأحمر إذا بقيت أسباب التصعيد في اليمن قائمة.
ولا تقتصر تداعيات هذه المخاطر على الجوانب العسكرية؛ إذ يمكن لاضطراب الملاحة أن يرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويؤثر في تدفق السلع والطاقة، ويزيد الأعباء على الدول التي تعتمد على طرق التجارة البحرية.
أما بالنسبة لليمن، فإن استمرار التوتر حول سواحله يهدد فرص الاستفادة الاقتصادية من موقعه الجغرافي، ويجعل الممرات التي يفترض أن تكون مصدر قوة وتنمية مرتبطة بالأزمات والمواجهات.
القرن الأفريقي.. علاقات مسلحة تتجاوز الحدود
لا يقتصر الحضور الحوثي المرتبط بالممرات البحرية على الساحل اليمني، إذ تشير تقارير بحثية وأممية إلى تنامي علاقات مليشيا الحوثيين مع أطراف مسلحة في منطقة القرن الأفريقي، وفي مقدمتها حركة الشباب الصومالية المرتبطة بتنظيم القاعدة.
وتثير هذه العلاقات مخاوف من انتقال بعض مظاهر الصراع اليمني إلى الضفة الأفريقية للبحر الأحمر، بما يخلق تداخلاً بين النزاعات المسلحة وشبكات التهريب والأنشطة اللوجستية العابرة للحدود.
ووفقاً لتقرير لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة، شمل التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب تهريب الأسلحة والتدريب التقني وتبادل الخبرات العسكرية والدعم اللوجستي.
كما أشار التقرير إلى معلومات عن تسهيل سفر نحو 400 صومالي إلى مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن لتلقي تدريبات عسكرية وأيديولوجية، فضلاً عن معلومات تتعلق بوجود خلايا صومالية في حضرموت لشراء الأسلحة وتهريبها إلى الصومال.
وتتوافق بعض هذه المؤشرات مع ما أورده تقرير بحثي لمؤسسة القرن الأمريكية بشأن سعي الحوثيين إلى توسيع علاقاتهم وشبكاتهم في أفريقيا.
ووفقاً للتقرير، لم تعد بعض الروابط تقتصر على الصفقات التي تفرضها المصالح الآنية، بل تطورت لتشمل تبادل الخبرات التقنية والتدريب ونقل الأسلحة، بما قد يمنح المليشيا حضوراً أوسع في المنطقة، ويتيح للطرف الآخر الاستفادة من القدرات العسكرية التي راكمها الحوثيون خلال سنوات الحرب.
ويرى مراقبون أن استمرار قنوات التدريب ونقل الأسلحة والخبرات قد يؤدي إلى نشوء روابط يصعب تفكيكها حتى إذا تغيرت الظروف السياسية التي أسهمت في نشأتها، وهو ما يثير مخاوف من تداخل النزاعين اليمني والصومالي بصورة أعمق.
ولا تقف المؤشرات عند الصومال وحده، إذ تناول التقرير البحثي احتمالات توسع الشبكات الحوثية أو نشاطها في دول أخرى بالقرن الأفريقي، بينها جيبوتي والسودان وإريتريا، مع تفاوت مستوى الأدلة المتاحة بشأن كل حالة.
وقد أشار التقرير إلى أهمية جيبوتي بحكم موقعها المقابل لليمن عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وإلى استخدام البنية التجارية وشبكات النقل في الحصول على مكونات تدخل في تصنيع الأسلحة.
شبكة إقليمية حول البحر الأحمر
تفتح العلاقات المتنامية بين الحوثيين وبعض الجماعات المسلحة في القرن الأفريقي الباب أمام تساؤلات بشأن احتمال نشوء شبكة إقليمية تتجاوز الحدود اليمنية.
ويذهب تقرير مؤسسة القرن إلى أن توسع نشاط الحوثيين في أفريقيا قد يعزز موقعهم ضمن منظومة أوسع من علاقات الجماعات المسلحة، على نحو يستحضر تجارب شبكات النفوذ التي نشأت في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية.
ويؤكد التقرير أن خطورة هذه الروابط لا تتوقف على اكتمال شبكة إقليمية من عدمه، بل ترتبط بما قد تتيحه من نقل للقدرات العسكرية والتقنيات والخبرات بين مناطق النزاع.
فانتقال الطائرات المسيّرة أو أساليب تصنيع المتفجرات أو الخبرات المتعلقة بالعمليات البحرية قد يعزز قدرات بعض الجماعات على تنفيذ هجمات أكثر تعقيداً، ويجعل التهديدات في خليج عدن والبحر الأحمر أكثر صعوبة في الرصد والاحتواء.
مكاسب ميدانية أم كلفة إستراتيجية؟
قد تمنح السيطرة على مواقع ساحلية إستراتيجية أو القدرة على تهديد الملاحة المليشيا الحوثية أوراق ضغط إضافية، لكنها لا تعني بالضرورة تحقيق مكاسب سياسية مستدامة.
فالتصعيد في الممرات البحرية يوسع دائرة الأطراف المتضررة، ويزيد من احتمالات الردود العسكرية والضغوط الدولية، كما قد يضع المليشيا أمام كلفة أكبر كلما أصبحت أنشطتها مرتبطة بأمن التجارة والطاقة العالميين.
وفي المقابل، يتحمل اليمن جانباً كبيراً من تداعيات هذا المسار، سواء عبر استمرار الحرب والانقسام، أو تراجع فرص الاستفادة من موقعه البحري، أو ارتفاع المخاطر الاقتصادية والأمنية، فبدلاً من أن يشكل باب المندب بوابة للتجارة والاستثمار والتنمية، قد يتحول إلى مصدر دائم للتوتر إذا بقي خاضعاً لحسابات الصراع المسلح والنفوذ الإقليمي.
ويرى مراقبون أن المعضلة الأساسية تكمن في تحويل الجغرافيا إلى أداة ضغط من دون وجود مؤسسات دولة قادرة على إدارة المصالح الوطنية وحماية السيادة. فالأهمية الإستراتيجية للموقع لا تتحول تلقائياً إلى قوة اقتصادية أو سياسية؛ بل تتطلب استقراراً داخلياً، وسيطرة مؤسسية على السواحل والموانئ، وقدرة على بناء علاقات إقليمية تقوم على المصالح المشتركة لا على التهديدات.
استعادة الدولة لتحييد الجغرافيا اليمنية
تؤكد التطورات المحيطة بباب المندب أن أمن اليمن لا يمكن فصله عن أمن البحر الأحمر وخليج عدن، وأن حماية الممرات البحرية تبدأ من معالجة العوامل التي تجعل البلاد ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ.
ويتطلب ذلك تعزيز مؤسسات الدولة، وتوحيد القرارين العسكري والأمني، وتمكين السلطات الشرعية من ممارسة مسؤولياتها في حماية الأراضي والسواحل والمياه الإقليمية.
كما أن التعامل مع مخاطر التهريب والعلاقات العابرة للحدود يستدعي تنسيقاً إقليمياً وتبادلاً للمعلومات، إلى جانب دعم قدرات الجهات المختصة على مراقبة الموانئ وخطوط النقل والشبكات التي قد تستغل الأنشطة التجارية لأغراض عسكرية.
ولا يمكن أن تنجح هذه الجهود بمعزل عن معالجة أسباب الصراع اليمني، وتقليص المساحات التي تسمح للجماعات المسلحة ببناء نفوذ مستقل عن مؤسسات الدولة.
في المحصلة، يقف باب المندب عند تقاطع معقد بين الجغرافيا والسياسة والأمن الإقليمي. فالموقع الذي يمنح اليمن أهمية إستراتيجية استثنائية يمكن أن يتحول إلى عبء إذا استُخدم في صراعات لا تخدم مصالحه الوطنية.
وبين سعي الحوثيين إلى تعزيز نفوذهم، وحسابات إيران الإقليمية، ومخاوف اتساع العلاقات المسلحة عبر البحر الأحمر، تبقى استعادة الدولة اليمنية وقدرتها على حماية سيادتها المدخل الأهم لمنع تحول الجغرافيا اليمنية إلى ورقة ضغط في صراعات الآخرين.
